القرآن الكريم الفهرس التفسير الإعراب الترجمة القرآن mp3
القرآن الكريم

تفسير و معنى الآية 30 سورة الأنبياء - أو لم ير الذين كفروا أن السموات

سورة الأنبياء الآية رقم 30 : سبع تفاسير معتمدة

سورة أو لم ير الذين كفروا أن السموات - عدد الآيات 112 - رقم السورة - صفحة السورة في المصحف الشريف - .

تفسير و معنى الآية 30 من سورة الأنبياء عدة تفاسير - سورة الأنبياء : عدد الآيات 112 - - الصفحة 324 - الجزء 17.

سورة الأنبياء الآية رقم 30


﴿ أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ﴾
[ الأنبياء: 30]

﴿ التفسير الميسر ﴾

أولم يعلم هؤلاء الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين لا فاصل بينهما، فلا مطر من السماء ولا نبات من الأرض، ففصلناهما بقدرتنا، وأنزلنا المطر من السماء، وأخرجنا النبات من الأرض، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمن هؤلاء الجاحدون فيصدقوا بما يشاهدونه، ويخصُّوا الله بالعبادة؟

﴿ تفسير الجلالين ﴾

«أوَلم» بواو وتركها «يرَ» يعلم «الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رَتقاً» سدا بمعنى مسدودة «ففتقناهما» جعلنا السماء سبعاً والأرض من سبعاً، أو فتق السماء أن كانت لا تمطر فأمطرت، وفتق الأرض أن كانت لا تنبت فأنبتت «وجعلنا من الماء» النازل من السماء والنابع من الأرض «كل شيء حي» من نبات وغيره أي فالماء سبب لحياته «أفلا يؤمنون» بتوحيدي.

﴿ تفسير السعدي ﴾

أي: أولم ينظر هؤلاء الذين كفروا بربهم، وجحدوا الإخلاص له في العبودية، ما يدلهم دلالة مشاهدة، على أنه الرب المحمود الكريم المعبود، فيشاهدون السماء والأرض فيجدونهما رتقا، هذه ليس فيها سحاب ولا مطر، وهذه هامدة ميتة، لا نبات فيها، ففتقناهما: السماء بالمطر، والأرض بالنبات، أليس الذي أوجد في السماء السحاب، بعد أن كان الجو صافيا لا قزعة فيه، وأودع فيه الماء الغزير، ثم ساقه إلى بلد ميت; قد اغبرت أرجاؤه، وقحط عنه ماؤه، فأمطره فيها، فاهتزت، وتحركت، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، مختلف الأنواع، متعدد المنافع، [أليس ذلك] دليلا على أنه الحق، وما سواه باطل، وأنه محيي الموتى، وأنه الرحمن الرحيم؟ ولهذا قال: أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ْ أي: إيمانا صحيحا، ما فيه شك ولا شرك.


﴿ تفسير البغوي ﴾

( أولم ير الذين كفروا ) قرأ ابن كثير " ألم ير " [ بغير واو ] وكذلك هو في مصاحفهم ، معناه : ألم يعلم الذين كفروا ، ( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء وقتادة : كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ( ففتقناهما ) فصلنا بينهما بالهواء ، والرتق في اللغة : السد ، والفتق : الشق .
قال كعب : خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ، ثم خلق ريحا فوسطها ففتحها بها .
قال مجاهد والسدي : كانت السموات مرتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض كانتا مرتقة طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين .
قال عكرمة وعطية : كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات .
وإنما قال : ( رتقا ) على التوحيد وهو من نعت السموات والأرض لأنه مصدر وضع موضع الاسم ، مثل الزور والصوم ونحوهما .
( وجعلنا ) [ وخلقنا ] ( من الماء كل شيء حي ) أي : وأحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي : من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر ، يعني أنه سبب لحياة كل شيء والمفسرون يقولون : [ يعني ] أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء .
كقوله تعالى : ( والله خلق كل دابة من ماء ) ( النور : 45 ) ، قال أبو العالية : يعني النطفة ، فإن قيل : قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء؟ قيل : هذا على وجه التكثير ، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوقة من الماء أو بقاؤه بالماء ، ( أفلا يؤمنون )

﴿ تفسير الوسيط ﴾

وقوله رَتْقاً مصدر رتقه رتقا: إذا سده.
يقال: رتق فلان الفتق رتقا، إذا ضمه وسده، وهو ضد الفتق الذي هو بمعنى الشق والفصل.
وللعلماء في معنى هذه الآية أقوال أشهرها: أن معنى كانَتا رَتْقاً أن السماء كانت صماء لا ينزل منها مطر، وأن الأرض كانت لا يخرج منها نبات، ففتق الله- تعالى- السماء بأن جعل المطر ينزل منها، وفتق الأرض بأن جعل النبات يخرج منها.
وهذا التفسير منسوب إلى ابن عباس، فقد سئل عن ذلك فقال: كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق- سبحانه- للأرض أهلا، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات .
ومنهم من يرى أن المعنى: كانت السموات والأرض متلاصقتين كالشىء الواحد، ففتقهما الله- تعالى- بأن فصل بينهما، فرفع السماء إلى مكانها، وأبقى الأرض في مقرها، وفصل بينهما بالهواء.
قال قتادة قوله كانَتا رَتْقاً يعنى أنهما كانا شيئا واحدا ففصل الله بينهما بالهواء .
ومنهم من يرى أن معنى «كانتا رتقا» أن السموات السبع كانت متلاصقة بعضها ببعض ففتقها الله- تعالى- بأن جعلها سبع سموات منفصلة، والأرضون كانت كذلك رتقا، ففصل الله- تعالى- بينها وجعلها سبعا.
قال مجاهد: كانت السموات طبقة واحدة مؤتلفة، ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرضين كانت طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا .
وقد رجح بعض العلماء المعنى الأول فقال ما ملخصه: كونهما «كانتا رتقا» بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر، والأرض لا تنبت، ففتق- سبحانه- السماء بالمطر والأرض بالنبات، هو الراجح وتدل عليه قرائن من كتاب الله- تعالى- منها:أن قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
.
يدل على أنهم رأوا ذلك لأن الأظهر في رأى أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض لا نبات فيها.
فيشاهدون بأبصارهم نزول المطر من السماء، وخروج النبات من الأرض.
ومنها: أنه- سبحانه- أتبع ذلك بقوله: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله.
أى: وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض، كل شيء حي.
ومنها: أن هذا المعنى جاء موضحا في آيات أخرى، كقوله- تعالى-: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ.
وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ والمراد بالرجع: نزول المطر من السماء تارة بعد أخرى، والمراد بالصدع: انشقاق الأرض عن النبات.
واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية والفخر الرازي.
فإن قيل: هذا الوجه مرجوح، لأن المطر لا ينزل من السموات، بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا؟قلنا: إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة فيها سماء كما يقال: ثوب أخلاق- أى:قطع .
والآية الكريمة مسوقة لتجهيل المشركين وتوبيخهم على كفرهم، مع أنهم يشاهدون بأعينهم ما يدل دلالة واضحة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، ويعلمون أن من كان كذلك،لا يصح أن تترك عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه، مما لا يضر ولا ينفع.
والمعنى: أو لم يشاهد الذين كفروا بأبصارهم، ويعلموا بعقولهم، أن السموات والأرض كانتا رتقا، بحيث لا ينزل من السماء مطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ففتق الله- تعالى- السماء بالمطر، والأرض بالنبات.
إنهم بلا شك يشاهدون ذلك، ويعقلونه بأفكارهم.
ولكنهم لاستيلاء الجحود والعناد عليهم، يعبدون من دونه- سبحانه- مالا ينفع من عبده، ولا يضر من عصاه.
وقال- سبحانه-: كانَتا بالتثنية، باعتبار النوعين اللذين هما نوع السماء، ونوع الأرض، كما في قوله- عز وجل-: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا .
.
.
وقوله- تعالى-: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.
.
تأكيد لمضمون ما سبق، وتقرير لوحدانيته ونفاذ قدرته- سبحانه- والجعل بمعنى الخلق.
ومِنَ ابتدائية.
أى: وخلقنا من الماء بقدرتنا النافذة، كل شيء متصف بالحياة الحقيقية وهو الحيوان، أو كل شيء نام فيدخل النبات، ويراد من الحياة ما يشمل النمو.
وهذا العام مخصوص بما سوى الملائكة والجن مما هو حي، لأن الملائكة- كما جاء في بعض الأخبار خلقوا من النور، والجن مخلوقون من النار.
قال- تعالى- خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ.
قال القرطبي: وفي قوله- تعالى-: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ثلاث تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شيء من الماء.
قاله قتادة.
الثاني: حفظ حياة كل شيء بالماء: الثالث: وجعلنا من ماء الصلب- أى: النطفة- كل شيء حي.
.
.
وقوله: أَفَلا يُؤْمِنُونَ إنكار لعدم إيمانهم مع وضوح كل ما يدعو إلى الإيمان الحق، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه هذا الإنكار.
أى: أيشاهدون بأعينهم ما يدل على وحدانية الله وقدرته.
ومع ذلك لا يؤمنون؟إن أمرهم هذا لمن أعجب العجب، وأغرب الغرائب!!.

﴿ تفسير ابن كثير ﴾

يقول تعالى منبها على قدرته التامة ، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء ، وقهره لجميع المخلوقات ، فقال : ( أولم ير الذين كفروا ) أي : الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره ، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق ، المستبد بالتدبير ، فكيف يليق أن يعبد غيره أو يشرك به ما سواه ، ألم يروا ( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ) أي : كان الجميع متصلا بعضه ببعض متلاصق متراكم ، بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر ، ففتق هذه من هذه . فجعل السماوات سبعا ، والأرض سبعا ، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء ، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض; ولهذا قال : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) أي : وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئا فشيئا عيانا ، وذلك دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء :ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحدقال سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن عكرمة قال : سئل ابن عباس : الليل كان قبل أو النهار؟ فقال : أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقا ، هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن أبي حمزة ، حدثنا حاتم ، عن حمزة بن أبي محمد ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر; أن رجلا أتاه يسأله عن السماوات والأرض ( كانتا رتقا ففتقناهما ) ؟ . قال : اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ، ثم تعال فأخبرني بما قال لك . قال : فذهب إلى ابن عباس فسأله . فقال ابن عباس : نعم ، كانت السماوات رتقا لا تمطر ، وكانت الأرض رتقا لا تنبت .فلما خلق للأرض أهلا فتق هذه بالمطر ، وفتق هذه بالنبات . فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره ، فقال ابن عمر : الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علما ، صدق - هكذا كانت . قال ابن عمر : قد كنت أقول : ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن ، فالآن قد علمت أنه قد أوتي في القرآن علما .وقال عطية العوفي - : كانت هذه رتقا لا تمطر ، فأمطرت . وكانت هذه رتقا لا تنبت ، فأنبتت .وقال إسماعيل بن أبي خالد : سألت أبا صالح الحنفي عن قوله : ( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) ، قال : كانت السماء واحدة ، ففتق منها سبع سماوات ، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين .وهكذا قال مجاهد ، وزاد : ولم تكن السماء والأرض متماستين .وقال سعيد بن جبير : بل كانت السماء والأرض ملتزقتين ، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض ، كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه . وقال الحسن ، وقتادة ، كانتا جميعا ، ففصل بينهما بهذا الهواء .وقوله : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) أي : أصل كل الأحياء منه .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الجماهر ، حدثنا سعيد بن بشير ، حدثنا قتادة عن أبي ميمونة ، عن أبي هريرة أنه قال : يا نبي الله إذا رأيتك قرت عيني ، وطابت نفسي ، فأخبرني عن كل شيء ، قال : " كل شيء خلق من ماء " .وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن أبي ميمونة ، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إني إذا رأيتك طابت نفسي ، وقرت عيني ، فأنبئني عن كل شيء . قال : " كل شيء خلق من ماء " قال : قلت : أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة . قال : " أفش السلام ، وأطعم الطعام ، وصل الأرحام ، وقم بالليل والناس نيام ، ثم ادخل الجنة بسلام " .ورواه أيضا عبد الصمد وعفان وبهز ، عن همام . تفرد به أحمد ، وهذا إسناد على شرط الصحيحين ، إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن ، واسمه سليم ، والترمذي يصحح له . وقد رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة مرسلا والله أعلم .

﴿ تفسير القرطبي ﴾

قوله تعالى : أولم ير الذين كفروا قراءة العامة أولم بالواو .
وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد ( ألم تر ) بغير واو وكذلك هو في مصحف مكة .
أولم ير بمعنى يعلم .
الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا قال الأخفش : كانتا لأنهما صنفان ، كما تقول العرب : هما لقاحان أسودان ، وكما قال الله - عز وجل - : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا قال أبو إسحاق : كانتا لأنه يعبر عن السماوات بلفظ الواحد بسماء ؛ ولأن السماوات كانت سماء واحدة ، وكذلك الأرضون .
وقال : رتقا ولم يقل رتقين ؛ لأنه مصدر ؛ والمعنى كانتا ذواتي رتق .
وقرأ الحسن ( رتقا ) بفتح التاء .
قال عيسى بن عمر : هو صواب وهي لغة .
والرتق السد ضد الفتق ، وقد رتقت الفتق أرتقه فارتتق أي التأم ، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج .
قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة : يعني أنها كانت شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء .
وكذلك قال كعب : خلق الله السماوات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحا بوسطها ففتحها بها ، وجعل السماوات سبعا والأرضين سبعا .
وقول ثان قاله مجاهد والسدي وأبو صالح : كانت السماوات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرضين كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا .
وحكاه القتبي في عيون الأخبار له ، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله - عز وجل - : أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما قال : كانت السماء مخلوقة وحدها والأرض مخلوقة وحدها ، ففتق من هذه سبع سماوات ، ومن هذه سبع أرضين ؛ خلق الأرض العليا فجعل سكانها الجن والإنس ، وشق فيها الأنهار وأنبت فيها الأثمار ، وجعل فيها البحار وسماها رعاء ، مسيرة خمسمائة عام ؛ ثم خلق الثانية مثلها في العرض والغلظ وجعل فيها أقواما ، أفواههم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس ؛ وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور الغنم ، فإذا كان عند اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج ، واسم تلك الأرض الدكماء ، ثم خلق الأرض الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام ، ومنها هواء إلى الأرض .
الرابعة خلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود ، ولها أذناب مثل أذناب الخيل الطوال ، يأكل بعضها بعضا فتسلط على بني آدم .
ثم خلق الله الخامسة في الغلظ والطول والعرض فيها سلاسل وأغلال وقيود لأهل النار .
ثم خلق الله الأرض السادسة واسمها ماد ، فيها حجارة سود بهم ، ومنها خلقت تربة آدم - عليه السلام - ، تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود العظيم ، وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم وأيديهم ، فذلك قوله - عز وجل - : وقودها الناس والحجارة ثم خلق الله الأرض السابعة واسمها عربية وفيها جهنم ، فيها بابان اسم الواحد سجين والآخر الغلق ، فأما سجين فهو مفتوح وإليه ينتهي كتاب الكفار ، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون ، وأما الغلق فهو مغلق لا يفتح إلى يوم القيامة .
وقد مضى في ( البقرة ) أنها سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام ، وسيأتي له في آخر ( الطلاق ) زيادة بيان إن شاء الله تعالى .
وقول ثالث قاله عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس أيضا فيما ذكر المهدوي : إن السماوات كانت رتقا لا تمطر ، والأرض كانت رتقا لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر ، والأرض بالنبات ؛ نظيره قوله - عز وجل - : والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع .
واختار هذا القول الطبري ؛ لأن بعده : وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون .
قلت : وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة ؛ ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية ؛ ليدل على كمال قدرته ، وعلى البعث والجزاء .
وقيل :يهون عليهم إذا يغضبو ن سخط العداة وإرغامها ورتق الفتوق وفتق الرتوق ونقض الأمور وإبرامهاوفي قوله تعالى : وجعلنا من الماء كل شيء حي ثلاث تأويلات : أحدها : أنه خلق كل شيء من الماء ؛ قاله قتادة .
الثاني : حفظ حياة كل شيء بالماء .
الثالث : وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي ؛ قاله قطرب .
وجعلنا بمعنى خلقنا .
وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له من حديث أبي هريرة قال : قلت يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي ، وقرت عيني ، أنبئني عن كل شيء ؛ قال : كل شيء خلق من الماء الحديث ؛ قال أبو حاتم قول أبي هريرة : ( أنبئني عن كل شيء ) أراد به عن كل شيء خلق من الماء ، والدليل على صحة هذا جواب المصطفى إياه حيث قال : كل شيء خلق من الماء وإن لم يكن مخلوقا .
وهذا احتجاج آخر سوى ما تقدم من كون السماوات والأرض رتقا .
وقيل : الكل قد يذكر بمعنى البعض كقوله : وأوتيت من كل شيء وقوله : تدمر كل شيء والصحيح العموم ؛ لقوله - عليه السلام - : كل شيء خلق من الماء والله أعلم .
أفلا يؤمنون أي أفلا يصدقون بما يشاهدون ، وأن ذلك لم يكن بنفسه ، بل لمكون كونه ، ومدبر أوجده ، ولا يجوز أن يكون ذلك المكون محدثا .

﴿ تفسير الطبري ﴾

يقول تعالى ذكره: أو لم ينظر هؤلاء الذي كفروا بالله بأبصار قلوبهم، فيروا بها، ويعلموا أن السماوات والأرض كانتا رَتْقا: يقول: ليس فيهما ثقب، بل كانتا ملتصقتين، يقال منه: رتق فلان الفتق: إذا شدّه، فهو يرتقه رتقا ورتوقا، ومن ذلك قيل للمرأة التي فرجها ملتحم: رتقاء، ووحد الرتق، وهو من صفة السماء والأرض، وقد جاء بعد قوله (كانَتا) لأنه مصدر، مثل قول الزور والصوم والفطر.
وقوله (فَفَتَقْناهُما) يقول: فصدعناهما وفرجناهما.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله السماوات والأرض بالرتق وكيف كان الرتق، وبأيْ معنى فتق؟ فقال بعضهم: عنى بذلك أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء.
* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ) يقول: كانتا ملتصقتين.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما).
.
.
الآية، يقول: كانتا ملتصقتين، فرفع السماء ووضع الأرض.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) كان ابن عباس يقول: كانتا ملتزقتين، ففتقهما الله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كان الحسن وقتادة يقولان: كانتا جميعا، ففصل الله بينهما بهذا الهواء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن السماوات كانت مرتتقة طبقة، ففتقها الله فجعلها سبع سماوات وكذلك الأرض كانت كذلك مرتتقة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين* ذكر من قال: ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى ( رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) من الأرض ستّ أرضين معها فتلك سبع أرضين معها، ومن السماء ستّ سماوات معها، فتلك سبع سماوات معها، قال: ولم تكن الأرض والسماء متماسَّتين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: فتقهنّ سبع سماوات، بعضهنّ فوق بعض، وسبع أرضين بعضهنّ تحت بعض.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم.
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، قال: سألت أبا صالح عن قوله ( كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كانت الأرض رتقا والسماوات رتقا، ففتق من السماء سبع سماوات، ومن الأرض سبع أرضين.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: كانت سماء واحدة ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين، في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض، فذلك حين يقول خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يَقُولُ ( كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا).
وقال آخرون: بل عنى بذلك أن السماوات كانت رتقا لا تمطر، والأرض كذلك رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات.
* ذكر من قال ذلك:حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كانتا رتقا لا يخرج منهما شيء، ففتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات.
قال: وهو قوله وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ .
حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثنا أبي، عن الفضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كانت السماء رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات، وجعل من الماء كل شيء حيّ، أفلا يؤمنون؟حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كانت السماوات رتقا لا ينزل منها مطر، وكانت الأرض رتقا لا يخرج منها نبات، ففتقهما الله، فأنزل مطر السماء، وشقّ الأرض فأخرج نباتها، وقرأ ( فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ).
وقال آخرون: إنما قيل (فَفَتَقْنَاهُما) لأن الليل كان قبل النهار، ففتق النهار.
* ذكر من قال ذلك:حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خلق الليل قبل النهار، ثم قال: كانتا رتقا ففتقناهما.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) على ذلك، وأنه جلّ ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه.
فإن قال قائل: فإن كان ذلك كذلك، فكيف قيل: أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا، والغيث إنما ينزل من السماء الدنيا؟ قيل: إن ذلك مختلف فيه، قد قال قوم: إنما ينزل من السماء السابعة، وقال آخرون: من السماء الرابعة، ولو كان ذلك أيضا كما ذكرت من أنه ينزل من السماء الدنيا، لم يكن في قوله ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) دليل على خلاف ما قلنا، لأنه لا يمتنع أن يقال السماوات، والمراد منها واحدة فتجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، وقميص أسمال.
فإن قال قائل: وكيف قيل إن السماوات والأرض كانتا، فالسماوات جمع، وحكم جمع الإناث أن يقال في قليلة كنّ، وفي كثيره كانت؟ قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنهما صنفان، فالسماوات نوع، والأرض آخر، وذلك نظير قول الأسود بن يعفر:إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُماتُوفِي المَخارِمَ يَرْقُبانِ سَوَادِي (1)فقال كلاهما ، وقد ذكر المنية والحتوف لما وصفت من أنه عنى النوعين، وقد أخبرت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: أنشدني غالب النفيلي للقطامي:ألمْ يَحْزُنْكَ أنَّ حِبالَ قَيْسٍوَتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعَا (2)فجعل حبال قيس وهي جمع، وحبال تغلب وهي جمع اثنين.
وقوله ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) يقول تعالى ذكره: وأحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كلّ شيء.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) قال: كلّ شيء حيّ خُلق من الماء.
فإن قال قائل: وكيف خصّ كل شيء حيّ بأنه جعل من الماء دون سائر الأشياء غيره، فقد علمت أنه يحيا بالماء الزروع والنبات والأشجار، وغير ذلك مما لا حياة له، ولا يقال له حيّ ولا ميت؟ قيل: لأنه لا شيء من ذلك إلا وله حياة وموت، وإن خالف معناه في ذلك معنى ذوات الأرواح في أنه لا أرواح فيهنّ وأن في ذوات الأرواح أرواحا، فلذلك قيل ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ).
وقوله ( أَفَلا يُؤْمِنُونَ ) يقول: أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهية من فعل ذلك ويفردونه بالعبادة.
------------------------الهوامش :(1) البيت للأسود بن يعفر النهشلي التميمي ( المفضليات 101 ) والمنية : الموت ، والحتوف جمع حتف ، يريد به أنواع الأخطار التي تؤدي إلى الموت والمخارم جمع مخرم : الطريق في الغلظ ( عن السكري ) .
وقيل : الطرق في الجبال وأفواه الفجاج ، وسواد الإنسان شخصه .
والشاهد في البيت أن الشاعر ذكر المنية والحتوف ثم قال يرقبان بالتثنية ، لأنه جعل المنية والحتوف نوعين للهلاك ، ثم قال : يرقبان .
ولو جرى على ما يقتضيه اللفظ لقال : ترقب سوادي ، لأن المنية والحتوف عدة أشياء .
(2) البيت للقطامي ، وهو الرابع من عينيته المشهورة التي مطلعها " قفي قبل التفرق يا ضباعا " ( انظر ديوانه ، طبعة ليدن سنة 1902 ، ص 27 ) .
قال : تباينت تفرقت .
والحبال : العلائق والعهود .
والشاهد في البيت أن الشاعر قال : تباينتا بلفظ التثنية ، مع أن حبال قيس جمع ، وحبال تغلب جمع ، فكان ظاهر اللفظ يقتضي أن يقول : ( تباينت انقطاعا ) مراعاة لمعنى الجمعية في حبال قيس وتغلب .

﴿ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ﴾

قراءة سورة الأنبياء

المصدر : تفسير : أو لم ير الذين كفروا أن السموات