القرآن الكريم الفهرس التفسير الإعراب الترجمة القرآن mp3
القرآن الكريم

تفسير و معنى الآية 61 سورة التوبة - ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن

سورة التوبة الآية رقم 61 : سبع تفاسير معتمدة

سورة ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن - عدد الآيات 129 - رقم السورة - صفحة السورة في المصحف الشريف - .

تفسير و معنى الآية 61 من سورة التوبة عدة تفاسير - سورة التوبة : عدد الآيات 129 - - الصفحة 196 - الجزء 10.

سورة التوبة الآية رقم 61


﴿ وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ﴾
[ التوبة: 61]

﴿ التفسير الميسر ﴾

ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام، ويقولون: إنه يستمع لكل ما يقال له فيصدقه، قل لهم -أيها النبي-: إن محمدًا هو أذن تستمع لكل خير، يؤمن بالله ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه، وهو رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه. والذين يؤذون رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأي نوع من أنواع الإيذاء، لهم عذاب مؤلم موجع.

﴿ تفسير الجلالين ﴾

«ومنهم» أي المنافقين «الذين يؤذون النبي» بعيبه وبنقل حديثه «ويقولن» إذا نُهوا عن ذلك لئلا يبلغه «هو أُذُنُ» أي يسمع كل قيل ويقبله فإذا حلفنا له أنَّا لم نقل صدَّقنا «قل» هو «أُذُن» مستمع «خيرٍ لكم» لا مستمع شر «يؤمن بالله ويؤمن» يصدق «للمؤمنين» فيما أخبروه به لا لغيرهم واللام زائدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره «ورحمةٌ» بالرفع عطفا على أذن والجر عطفا على خير «للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم».

﴿ تفسير السعدي ﴾

أي‏:‏ ومن هؤلاء المنافقين ‏‏الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ‏‏ بالأقوال الردية، والعيب له ولدينه، ‏‏وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ‏‏ أي‏:‏ لا يبالون بما يقولون من الأذية للنبي، ويقولون‏:‏ إذا بلغه عنا بعض ذلك، جئنا نعتذر إليه، فيقبل منا، لأنه أذن، أي‏:‏ يقبل كل ما يقال له، لا يميز بين صادق وكاذب، وقصدهم قبحهم اللّه فيما بينهم، أنهم غير مكترثين بذلك، ولا مهتمين به، لأنه إذا لم يبلغه فهذا مطلوبهم، وإن بلغه اكتفوا بمجرد الاعتذار الباطل‏.
‏فأساءوا كل الإساءة من أوجه كثيرة، أعظمها أذية نبيهم الذي جاء لهدايتهم، وإخراجهم من الشقاء والهلاك إلى الهدى والسعادة‏.
‏ومنها‏:‏ عدم اهتمامهم أيضًا بذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأذية‏.
‏ومنها‏:‏ قدحهم في عقل النبي صلى الله عليه وسلم وعدم إدراكه وتفريقه بين الصادق والكاذب، وهو أكمل الخلق عقلا، وأتمهم إدراكا، وأثقبهم رأيا وبصيرة، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏‏قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ‏‏ أي‏:‏ يقبل من قال له خيرا وصدقا‏.
‏وأما إعراضه وعدم تعنيفه لكثير من المنافقين المعتذرين بالأعذار الكذب، فلسعة خلقه، وعدم اهتمامه بشأنهم ، وامتثاله لأمر اللّه في قوله‏:‏ ‏‏سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ‏‏وأما حقيقة ما في قلبه ورأيه، فقال عنه‏:‏ ‏‏يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏‏ الصادقين المصدقين، ويعلم الصادق من الكاذب، وإن كان كثيرا ما يعرض عن الذين يعرف كذبهم وعدم صدقهم، ‏‏وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ‏‏ فإنهم به يهتدون، وبأخلاقه يقتدون‏.
‏وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة بل ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم، ‏‏وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ‏‏ بالقول أو الفعل ‏‏لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏‏ في الدنيا والآخرة، ومن العذاب الأليم أنه يتحتم قتل مؤذيه وشاتمه‏.


﴿ تفسير البغوي ﴾

( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ) نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقولون ما لا ينبغي ، فقال بعضهم : لا تفعلوا ، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا .
فقال الجلاس بن سويد منهم : بل نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فننكر ما قلنا ، ونحلف فيصدقنا بما نقول ، فإنما محمد أذن أي : أذن سامعة ، يقال : فلان أذن وأذنة على وزن فعلة إذا كان يسمع كل ما قيل له ويقبله .
وأصله من أذن يأذن أذنا أي : استمع .
وقيل : هو أذن أي : ذو أذن سامعة .
وقال محمد بن إسحاق بن يسار : نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث ، وكان رجلا أذلم ، ثائر شعر الرأس ، أحمر العينين ، أسفع الخدين ، مشوه الخلقة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " ، وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين ، فقيل له : لا تفعل ، فقال : إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه ، فنقول ما شئنا ، ثم نأتيه ونحلف بالله فيصدقنا .
فأنزل الله تعالى هذه الآية .
قوله تعالى : ( قل أذن خير لكم ) قرأه العامة بالإضافة ، أي : مستمع خير وصلاح لكم ، لا مستمع شر وفساد .
وقرأ الأعمش والبرجمي عن أبي بكر : " أذن خير لكم " مرفوعين منونين ، يعني : أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم ، ثم كذبهم فقال : ( يؤمن بالله ) أي : لا بل يؤمن بالله ، ( ويؤمن للمؤمنين ) أي : يصدق المؤمنين ويقبل منهم لا من المنافقين .
يقال : أمنته وأمنت له بمعنى صدقته .
( ورحمة ) قرأ حمزة : " ورحمة " بالخفض على معنى أذن خير لكم ، وأذن رحمة ، وقرأ الآخرون : " ورحمة " بالرفع ، أي : هو أذن خير ، وهو رحمة ( للذين آمنوا منكم ) لأنه كان سبب إيمان المؤمنين .
( والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) .

﴿ تفسير الوسيط ﴾

روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن السدى أنها نزلت في جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد بن صامت ورفاعة ابن عبد المنذر،ووديعة بن ثابت وغيرهم، قالوا مالا ينبغي في حقه صلى الله عليه وسلم.
فقال رجل منهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمدا ما تقولونه فيقع فينا.
فقال الجلاس:بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمدا أذن .
فمرادهم بقولهم «هو أذن» أى: كثير الاستماع والتصديق لكل ما يقال له.
قال صاحب الكشاف: الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، سمى بالجارحة التي هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة ونظيره قولهم للربيئة- أى الطليعة- عين» .
وقال بعضهم: «الأذن» الرجل المستمع القابل لما يقال له.
وصفوا به الذكر والأنثى والواحد والجمع.
فيقال: رجل أذن، وامرأة أذن ورجال ونساء أذن، فلا يثنى ولا يجمع.
إنما سموه باسم العضو تهويلا وتشنيعا فهو مجاز مرسل أطلق فيه الجزء على الكل مبالغة بجعل جملته- لفرط استماعه- آلة السماع، كما سمى الجاسوس عينا لذلك» .
والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين قوم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون عنه أنه كثير السماع والتصديق لكل ما يقال له بدون تمييز بين الحق والباطل.
وقوله: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ رد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويكبت أنفسهم وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة على سبيل المبالغة في المدح كقولهم رجل صدق أى قد بلغ النهاية في الصدق والاستقامة.
والمعنى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتبكيت: سلمنا.
كما تزعمون.
أنى كثير السماع والتصديق لما يقال، لكن هذه الكثرة ليست للشر والخير بدون تمييز وإنما هي للخير ولما وافق الشرع فحسب.
ويجوز أن تكون الإضافة فيه على معنى «في» ، أى هو أذن في الخير والحق، وليس بأذن في غير ذلك من وجوه الباطل والشر.
وهذه الجملة الكريمة من أسمى الأساليب وأحكمها في الرد على المرجفين والفاسقين، لأنه- سبحانه- صدقهم في كونه صلى الله عليه وسلم أذنا، وذلك بما هو مدح له، حيث وصفه بأنه أذن خير لا شر.
قال صاحب الإنصاف: لا شيء أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه، لأنه في الأول إطماع لهم بالموافقة ثم كر على طمعهم بالحسم، وأعقبهم في تنقصه باليأس، منه، ولا شيء أقطع من الإطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه .
وقوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ تفسير وتوضيح لكونه صلى الله عليه وسلم أذن خير لهم لا أذن شر عليهم.
أى: أن من مظاهر كونه صلى الله عليه وسلم أذن خير، أنه «يؤمن بالله» إيمانا حقا لا يحوم حوله شيء من الرياء، أو الخداع أو غيرهما من ألوان السوء «ويؤمن للمؤمنين» أى: يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع لأنهم أصحابه الذين أطاعوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، فهم أهل للتصديق والقبول.
دون غيرهم من المنافقين والفاسقين.
قال الفخر الرازي: فإن قيل لماذا عدى الإيمان إلى الله بالباء، وإلى المؤمنين باللام؟قلنا: لأن الإيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر فعدى بالباء.
والإيمان المعدى إلى المؤمنين المراد منه الاستماع منهم، والتسليم لقولهم فعدى باللام، كما في قوله وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا.
أى بمصدق لنا.
وقوله: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ وقوله: قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ .
وقوله: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ معطوف على قوله: أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ.
أى: أن هذا الرسول الكريم بجانب أنه أذن خير لكم هو رحمة للذين آمنوا منكم- أيها المنافقون- إيمانا صحيحا، لأنه عن طريق إرشاده لهم إلى الخير، واتباعهم لهذا الإرشاد يصلون إلى ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم.
وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا من المنافقين: أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وأخلصوا لله قلوبهم، وتركوا النفاق والرياء.
أو أن المراد بالذين آمنوا منهم: أولئك الذين أظهروا الإيمان، فيكون المعنى:أن هذا الرسول الكريم رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم- أيها المنافقون- حيث إنه صلى الله عليه وسلم عاملهم بحسب الظاهر، دون أن يكشف أسرارهم، أو يهتك أستارهم لأن الحكمة تقتضي ذلك.
وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف فقد قال: وهو رحمة لمن آمن منكم، أى: أظهر الإيمان- أيها المنافقون-، حيث يسمع منكم، ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يكشف أسراركم، ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم .
.
.
.
وقوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأية إساءة.
أى: والذين يؤذون رسول الله بأى لون من ألوان الأذى، لهم عذاب أليم في دنياهم وآخرتهم لأنهم بإيذائهم له يكونون قد استهانوا بمن أرسله الله رحمة للعالمين.
ثم حكى القرآن بعد ذلك لونا من جبنهم وعجزهم عن مصارحة المؤمنين بالحقائق، فقال- سبحانه-:

﴿ تفسير ابن كثير ﴾

يقول تعالى : ومن المنافقين قوم يؤذون رسول - الله - صلى الله عليه وسلم - بالكلام فيه ويقولون : ( هو أذن ) أي : من قال له شيئا صدقه ، ومن حدثه فينا صدقه ، فإذا جئنا وحلفنا له صدقنا . روي معناه عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة . قال الله تعالى : ( قل أذن خير لكم ) أي : هو أذن خير ، يعرف الصادق من الكاذب ، ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) أي : ويصدق المؤمنين ، ( ورحمة للذين آمنوا منكم ) أي : وهو حجة على الكافرين ؛ ولهذا قال : ( والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) .

﴿ تفسير القرطبي ﴾

قوله تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليمبين تعالى أن في المنافقين من كان يبسط لسانه بالوقيعة في أذية النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : إن عاتبني حلفت له بأني ما قلت هذا فيقبله ، فإنه أذن سامعة .
قال الجوهري : يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد ، يستوي فيه الواحد والجمع .
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : هو أذن قال : مستمع وقابل .
وهذه الآية نزلت في عتاب بن قشير ، قال : إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له .
وقيل : هو نبتل بن الحارث ، قاله ابن إسحاق .
وكان نبتل رجلا جسيما ثائر شعر الرأس واللحية ، آدم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث .
السفعة بالضم : سواد مشرب بحمرة .
والرجل أسفع ، عند الجوهري .
وقرئ ( أذن ) بضم الذال وسكونها .
قل أذن خير لكم أي هو أذن خير لا أذن شر ، أي يسمع الخير ولا يسمع الشر .
وقرأ قل أذن خير لكم بالرفع والتنوين ، الحسن وعاصم في رواية أبي بكر .
والباقون بالإضافة ، وقرأ حمزة ( ورحمة ) بالخفض .
والباقون بالرفع عطف على ( أذن ) ، والتقدير : قل هو أذن خير وهو رحمة ، أي هو مستمع خير لا مستمع شر ، أي هو مستمع ما يحب استماعه ، وهو رحمة .
ومن خفض فعلى العطف على ( خير ) .
قال النحاس : وهذا عند أهل العربية بعيد ؛ لأنه قد تباعد ما بين الاسمين ، وهذا يقبح في المخفوض .
المهدوي : ومن جر الرحمة فعلى العطف على ( خير ) والمعنى مستمع خير ومستمع رحمة ؛ لأن الرحمة من الخير .
ولا يصح عطف الرحمة على المؤمنين ؛ لأن المعنى يصدق بالله ويصدق المؤمنين ; فاللام زائدة في قول الكوفيين .
ومثله ( لربهم يرهبون ) أي يرهبون ربهم .
وقال أبو علي : كقوله ( ردف لكم ) وهي عند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل ، التقدير : إيمانه للمؤمنين ، أي تصديقه للمؤمنين لا للكفار .
أو يكون محمولا على المعنى ، فإن معنى يؤمن يصدق ، فعدي باللام كما عدي في قوله تعالى : مصدقا لما بين يديه .

﴿ تفسير الطبري ﴾

القول في تأويل قوله : وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين جماعة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه (55) =(ويقولون هو أذن)، سامعةٌ, يسمع من كل أحدٍ ما يقول فيقبله ويصدِّقه.
* * *وهو من قولهم: " رجل أذنة "، مثل " فعلة " (56) إذا كان يسرع الاستماع والقبول, كما يقال: " هو يَقَن، ويَقِن " إذا كان ذا يقين بكل ما حُدِّث.
وأصله من " أذِن له يأذَن "، إذا استمع له.
ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أذِن الله لشيء كأذَنِه لنبيّ يتغنى بالقرآن "، (57) ومنه قول عدي بن زيد:أَيُّها القَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْإنَّ هَمِّي فِي سَمَاعِ وَأَذَنْ (58)وذكر أن هذه الآية نزلت في نبتل بن الحارث.
(59)16899- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، ذكر الله غشَّهم (60) = يعني: المنافقين = وأذاهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أذن)، الآية.
وكان الذي يقول تلك المقالة، فيما بلغني، نبتل بن الحارث، أخو بني عمرو بن عوف, وفيه نزلت هذه الآية، وذلك أنه قال: " إنما محمد أذُنٌ! من حدّثه شيئًا صدّقه !" ، يقول الله: (قل أذن خير لكم)، أي: يسمع الخير ويصدِّق به.
(61)* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: (قل أذن خير لكم).
فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ )، بإضافة " الأذن " إلى " الخير ", يعني: قل لهم، يا محمد: هو أذن خير، لا أذن شرٍّ.
* * *وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: (قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ)، بتنوين " أذن ", ويصير " خير " خبرًا له, بمعنى: قل: من يسمع منكم، أيها المنافقون، ما تقولون ويصدقكم، إن كان محمد كما وصفتموه، من أنكم إذا أتيتموه، فأنكرتم (62) ما ذكر له عنكم من أذاكم إياه وعيبكم له، سمع منكم وصدقكم = خيرٌ لكم من أن يكذبكم ولا يقبل منكم ما تقولون.
ثم كذبهم فقال: بل لا يقبل إلا من المؤمنين =(يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين).
* * *قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندي في ذلك, قراءةُ من قرأ: ( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ )، بإضافة " الأذن " إلى " الخير ", وخفض " الخير ", يعني: قل هو أذن خير لكم, لا أذن شر.
(63)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:16900- حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)، يسمع من كل أحد.
16901- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)، قال: كانوا يقولون: " إنما محمد أذن، لا يحدَّث عنا شيئًا، إلا هو أذن يسمع ما يقال له ".
16902- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ويقولون هو أذن)، نقول ما شئنا, ونحلف، فيصدقنا.
16903- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (هو أذن)، قال: يقولون: " نقول ما شئنا, ثم نحلف له فيصدقنا ".
16904- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه.
* * *وأما قوله: (يؤمن بالله)، فإنه يقول: يصدِّق بالله وحده لا شريك له.
وقوله: (ويؤمن للمؤمنين)، يقول: ويصدق المؤمنين، لا الكافرين ولا المنافقين.
وهذا تكذيب من الله للمنافقين الذين قالوا: " محمد أذن!", يقول جل ثناؤه: إنما محمد صلى الله عليه وسلم مستمعُ خيرٍ, يصدِّق بالله وبما جاءه من عنده, ويصدق المؤمنين، لا أهل النفاق والكفر بالله.
* * *وقيل: (ويؤمن للمؤمنين)، معناه: ويؤمن المؤمنين, لأن العرب تقول فيما ذكر لنا عنها: "آمنتُ له وآمنتُه ", بمعنى: صدّقته, كما قيل: رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ، [سورة النمل: 72]، ومعناه: ردفكم = وكما قال: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [سورة الأعراف: 154]، ومعناه: للذين هم ربّهم يرهبون.
(64)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:16905- حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله قال: حدثنى معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)، يعني: يؤمن بالله، ويصدق المؤمنين.
* * *وأما قوله: (ورحمة للذين آمنوا منكم)، فإن القرأة اختلفت في قراءته, فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ( وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا )، بمعنى: قل هو أذن خير لكم, وهو رحمة للذين آمنوا منكم = فرفع " الرحمة "، عطفًا بها على " الأذن ".
* * *وقرأه بعض الكوفيين: (وَرَحْمَةٍ)، عطفا بها على " الخير ", بتأويل: قل أذن خير لكم, وأذن رحمة.
(65)* * *قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءةُ من قرأه: (وَرَحْمَةٌ)، بالرفع، عطفًا بها على " الأذن ", بمعنى: وهو رحمة للذين آمنوا منكم.
وجعله الله رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه، وصدَّق بما جاء به من عند ربه, لأن الله استنقذهم به من الضلالة، وأورثهم باتِّباعه جنّاته.
* * *القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لهؤلاء المنافقين الذين يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويقولون: " هو أذن "، وأمثالِهم من مكذِّبيه, والقائلين فيه الهُجْرَ والباطل، (66) عذابٌ من الله موجع لهم في نار جهنم.
(67)--------------------------الهوامش :(55) انظر تفسير "الأذى" فيما سلف 8 : 84 - 86 ، و ص : 85 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(56) هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة: "رجل أذنة مثل فعلة" ، وهذا شيء لم أعرف ضبطه، ولم أجد له ما يؤيده في مراجع اللغة ، والذي فيها أنه يقال : "رجل أذن" (بضم فسكون) و "أذن" (بضمتين)، ولا أدري أهذه على وزن "فعلة" (بضم ففتح): "همزة" و "لمزة" ، أم على نحو وزن غيره.
وأنا في ارتياب شديد من صواب ما ذكره هنا، وأخشى أن يكون سقط من الناسخ شيء، أو أن يكون حرف الكلام.
(57) هذا الحديث، استدل به بغير إسناد، وهو حديث صحيح، رواه مسلم في صحيحه (6 : 78 ، 79) من حديث أبي هريرة.
(58) أمالي الشريف المرتضى 1 : 33 ، واللسان (أذن) و (ددن) ، و "الدد" (بفتح الدال) و "الددن"، اللهو.
و "السماع"، الغناء، والمغنية يقال لها "المسمعة".
(59) في المخطوطة والمطبوعة : " في ربيع بن الحارث " ، وهو خطأ محض، لا شك فيه.
(60) في المطبوعة: "ذكر الله عيبهم"، أخطأ، والصواب ما في المخطوطة، وسيرة ابن هشام.
(61) الأثر : 16899 - سيرة ابن هشام 4 : 195، وهو تابع الأثر السلف رقم : 16783 ، وانظر خبر نبتل بن الحارث أيضًا في سيرة ابن هشام 2 : 168.
(62) في المطبوعة: "إذا آذيتموه فأنكرتم"، وهو كلام لا معنى له، لم يحسن قراءة المخطوطة، والصواب ما أثبت.
(63) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 444.
(64) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 444 .
(65) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 444.
(66) انظر تفسير "الأذى" فيما سلف ص : 324 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(67) انظر تفسير "أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ﴾

قراءة سورة التوبة

المصدر : تفسير : ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن