القرآن الكريم الفهرس التفسير الإعراب الترجمة القرآن mp3
القرآن الكريم

تفسير و معنى الآية 103 سورة آل عمران - واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا

سورة آل عمران الآية رقم 103 : سبع تفاسير معتمدة

سورة واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا - عدد الآيات 200 - رقم السورة - صفحة السورة في المصحف الشريف - .

تفسير و معنى الآية 103 من سورة آل عمران عدة تفاسير - سورة آل عمران : عدد الآيات 200 - - الصفحة 63 - الجزء 4.

سورة آل عمران الآية رقم 103


﴿ وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ﴾
[ آل عمران: 103]

﴿ التفسير الميسر ﴾

وتمسَّكوا جميعًا بكتاب ربكم وهدي نبيكم، ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم. واذكروا نعمة جليلة أنعم الله بها عليكم: إذ كنتم -أيها المؤمنون- قبل الإسلام أعداء، فجمع الله قلوبكم على محبته ومحبة رسوله، وألقى في قلوبكم محبة بعضكم لبعض، فأصبحتم -بفضله- إخوانا متحابين، وكنتم على حافة نار جهنم، فهداكم الله بالإسلام ونجَّاكم من النار. وكما بيَّن الله لكم معالم الإيمان الصحيح فكذلك يبيِّن لكم كل ما فيه صلاحكم؛ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها، فلا تضلوا عنها.

﴿ تفسير الجلالين ﴾

«واعتصموا» تمسكوا «بحبل الله» أي دينه «جميعا ولا تفرقوا» بعد الإسلام «واذكروا نعمة الله» إنعامه «عليكم» يا معشر الأوس والخزرج «إذ كنتم» قبل الإسلام «أعداء فألَّف» جمع «بين قلوبكم» بالإسلام «فأصبحتم» فصرتم «بنعمته إخوانا» في الدين والولاية «وكنتم على شفا» طرف «حفرة من النار» ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفارا «فأنقذكم منها» بالإيمان «كذلك» كما بيَّن لكم ما ذكر «يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون».

﴿ تفسير السعدي ﴾

ثم أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام، ثم ذكرهم تعالى نعمته وأمرهم بذكرها فقال: واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء يقتل بعضكم بعضا، ويأخذ بعضكم مال بعض، حتى إن القبيلة يعادي بعضهم بعضا، وأهل البلد الواحد يقع بينهم التعادي والاقتتال، وكانوا في شر عظيم، وهذه حالة العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعثه الله وآمنوا به واجتمعوا على الإسلام وتآلفت قلوبهم على الإيمان كانوا كالشخص الواحد، من تآلف قلوبهم وموالاة بعضهم لبعض، ولهذا قال: فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار أي: قد استحقيتم النار ولم يبق بينكم وبينها إلا أن تموتوا فتدخلوها فأنقذكم منها بما مَنَّ عليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم كذلك يبين الله لكم آياته أي: يوضحها ويفسرها، ويبين لكم الحق من الباطل، والهدى من الضلال لعلكم تهتدون بمعرفة الحق والعمل به، وفي هذه الآية ما يدل أن الله يحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم ليزدادوا شكرا له ومحبة، وليزيدهم من فضله وإحسانه، وإن من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها.


﴿ تفسير البغوي ﴾

قوله عز وجل : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) الحبل : السبب الذي [ يتوصل ] به إلى البغية وسمي الإيمان حبلا لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف .
واختلفوا في معناه هاهنا ، قال ابن عباس : معناه تمسكوا بدين الله ، وقال ابن مسعود : هو الجماعة ، وقال : عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر الله به ، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة .
وقال مجاهد وعطاء : بعهد الله ، وقال قتادة والسدي : هو القرآن ، وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين ، والشفاء النافع ، وعصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه " وقال مقاتل بن حيان : بحبل الله : أي بأمر الله وطاعته ، ( ولا تفرقوا ) كما [ افترقت ] اليهود والنصارى ، أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ، ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولى الله أمركم ، ويسخط لكم : قيل وقال ، وإضاعة المال وكثرة السؤال " .
قوله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ) قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار : كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل ، فتطاولت تلك العداوة والحرب بينهم عشرين ومائة سنة إلى أن أطفأ الله عز وجل ذلك بالإسلام وألف [ بينهم ] برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وكان سبب ألفتهم أن سويد بن الصامت أخا بني عمرو بن عوف وكان شريفا يسميه قومه الكامل لجلده ونسبه ، قدم مكة حاجا أو معتمرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث وأمر بالدعوة ، فتصدى له حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام فقال له سويد : فلعل الذي معك مثل الذي معي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ وما الذي معك قال : مجلة لقمان يعني حكمته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ] اعرضها علي فعرضها ، فقال : إن هذا لكلام حسن ، معي أفضل من هذا ، قرآن أنزله الله علي نورا وهدى فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم [ يبعد ] منه وقال : إن هذا [ لقول ] حسن ، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج قبل يوم بعاث فإن قومه ليقولون : قد قتل وهو مسلم .
ثم قدم أبو الحيسر أنس بن رافع ومعه فئة من بني الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج ، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم ، فقال : هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ فقالوا : وما ذلك؟ قال : أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن لا يشركوا بالله شيئا ، وأنزل علي الكتاب ، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن ، فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا : أي قوم ، هذا والله خير مما جئتم له ، فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال : دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا ، فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج ، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك .
فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم ، فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا ، وهم ستة نفر : أسعد بن زرارة ، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء ، ورافع بن مالك العجلاني ، وقطبة بن عامر بن حديدة ، وعقبة بن عامر بن نابي ، وجابر بن عبد الله ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنتم؟ قالوا : نفر من الخزرج ، قال : أمن موالي يهود؟ قالوا : نعم : قال : أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ قالوا : بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن .
قالوا : وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعلم ، وهم كانوا أهل أوثان وشرك ، وكانوا إذا كان منهم شيء قالوا : إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم لبعض : يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود ، فلا يسبقنكم إليه ، فأجابوه وصدقوه وأسلموا ، وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك ، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك .
ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا به صلى الله عليه وسلم ، فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا وهم : أسعد بن زرارة ، وعوف ، ومعاذ ابنا عفراء ، ورافع بن مالك بن العجلان ، وذكوان بن عبد القيس ، وعبادة بن الصامت ، ويزيد بن ثعلبة ، وعباس بن عبادة ، وعقبة ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌بن عامر ، وقطبة بن عامر ، وهؤلاء خزرجيون وأبو الهيثم بن التيهان ، وعويمر بن ساعدة من الأوس ، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ، على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ، إلى آخر الآية فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له ، وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم ، قال : وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب .
قال : فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين ، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ ، وكان منزله على أسعد بن زرارة ، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطا ، من حوائط بني ظفر ، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم ، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير : انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما ، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي ولولا ذاك لكفيتكه ، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وهما مشركان ، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في الحائط ، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب : هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه ، قال مصعب : إن يجلس أكلمه قال : فوقف عليهما متشتما فقال : ما جاء بكم إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة ، فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره ، قال : أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به ، في إشراقه وتسهله ، ثم قال : ما أحسن هذا الكلام وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له : تغتسل وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق [ ثم تصلي ركعتين فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ] ثم قام وركع ركعتين ثم قال لهما : إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن ، سعد بن معاذ ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه ، وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال : أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم ، فلما وقف على النادي قال له سعد : ما فعلت؟ قال : كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا فافعل ما أحببت ، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك فقام سعد [ مغضبا ] مبادرا للذي ذكر له من بني حارثة ، فأخذ الحربة ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئا فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة : لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب : جاءك والله سيد قومه ، إن يتبعك لم يخالفك منهم أحد ، فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته ، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ، قال سعد : أنصفت ، ثم ركز الحربة وجلس ، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن قالا : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله ، ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا تغتسل وتطهر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ثم [ تصلي ] ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا : نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ، فلما وقف عليهم قال : يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا : سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، قال : فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم أو مسلمة ، ورجع أسعد بن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة ، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف ، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر ، وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق .
قالوا : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية .
قال كعب بن مالك - وكان قد شهد ذلك - فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه ، وقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم ، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة ، وكان نقيبا ، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا ، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني النجار ، وأسماء بنت عمرو بن عدي أم منيع إحدى نساء بني سلمة ، فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ، ويتوثق له ، فلما جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب ، فقال : يا معشر الخزرج - وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها - إن محمدا صلى الله عليه وسلم منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده ، وأنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة .
قال : فقلنا قد سمعنا ما قلت : فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما شئت .
قال : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ، ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه [ أنفسكم ونساءكم ] وأبناءكم ، قال : فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله ، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر .
قال : [ فاعترض ] القول - والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيهان ، فقال : يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا يعني العهود ، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن فعلنا نحن ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : الدم الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم " فأخرجوا اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس .
قال عاصم بن عمرو بن قتادة : إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري : يا معشر الخزرج هل تدرون علاما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلى أسلمتموه ، فمن الآن ، فهو والله إن فعلتم خزي في الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه من تهلكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة .
قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف ، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال : " الجنة " قال : ابسط يدك فبسط يده فبايعوه ، وأول من ضرب على يده البراء بن معرور ثم تتابع القوم ، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعته قط : يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة قد اجتمعوا على حربكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا عدو الله ، هذا أزب العقبة ، اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغن لك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفعوا إلى رحالكم .
فقال العباس بن عبادة بن نضلة : والذي بعثك بالحق لئن شئت [ لنميلن ] غدا على أهل منى بأسيافنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم .
قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا ، فقالوا : يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا ، وإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم [ منكم ] قال : فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله : ما كان من هذا شيء وما علمناه وصدقوا ، ولم يعلموا ، وبعضنا ينظر إلى بعض ، وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة [ المخزومي ] وعليه نعلان جديدان ، قال فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا يا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش ، قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي وقال : والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر رضي الله عنه : مه والله أحفظت الفتى فاردد إليه نعليه ، قال : لا أردهما فأل - والله - صالح والله لئن صدق الفأل [ لأسلبنه ] .
قال : ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شددوا العقد ، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " إن الله تعالى قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها " فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار .
فأول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، ثم عامر بن ربيعة ثم عبد الله بن جحش ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا إلى المدينة فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام ، وأصلح ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
قال الله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم ) يا معشر الأنصار ( إذ كنتم أعداء ) قبل الإسلام ( فألف بين قلوبكم ) بالإسلام ، ( فأصبحتم ) أي فصرتم ، ( بنعمته ) برحمته وبدينه الإسلام ، ( إخوانا ) في الدين والولاية بينكم ( وكنتم ) يا معشر الأوس والخزرج ( على شفا حفرة من النار ) أي على طرف حفرة مثل شفا البئر معناه : كنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على كفركم ، ( فأنقذكم ) الله ( منها ) بالإيمان ، ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) .

﴿ تفسير الوسيط ﴾

وبعد أن أمرهم- سبحانه- بمداومة خشيته، والاستمرار على دينه أتبع ذلك بأمرهم بالاعتصام بدينه وبكتابه فقال- تعالى- وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا.
فهذه الآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من مداومة التقوى والطاعة الله رب العالمين.
والاعتصام: افتعال من عصم وهو طلب ما يعصم أى يمنع من السقوط والوقوع.
وأصل الحبل: ما يشد به للارتقاء أو التدلي أو للنجاة من غرق أو نحوه، أو للوصول إلى شيء معين.
والمراد بحبل الله هنا: دينه أو عهده، أو كتابه، لأن التمسك بهذه الأشياء يوصل إلى النجاة والفلاح.
والمعنى: كونوا جميعا مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده، ولا تتفرقوا كما كان شأنكم في الجاهلية بضرب بعضكم رقاب بعض، بل عليكم أن تجتمعوا على طاعة الله وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
وبذلك تفوزون وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم.
ففي الجملة الكريمة استعارة تمثيلية حيث شبه- سبحانه- الحالة الحاصلة من تمسك المؤمنين بدينه وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم، بالحالة الحاصلة من تمسك جماعة بحبل وثيق مأمون الانقطاع ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط أو نحوهما.
وإضافة الحبل إلى الله- تعالى- قرينة على هذا التمثيل.
وقوله جَمِيعاً حال من ضمير الجماعة في قوله وَاعْتَصِمُوا.
فالجملة الكريمة تأمر المسلمين جميعا أن يعتصموا بعهود الله وبدينه.
وبكتابه، وأن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأن ينبذوا التفرق والاختلاف الذي يؤدى إلى ضعفهم وفشلهم.
قال الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: واعلم أن كل من يمشى على طريق دقيق يخاف أن ينزلق رجله، فإنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف.
ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق، وقد انزلقت أرجل كثير من الخلق عنه، فمن اعتصم بدلائل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف فكان المراد من الحبل هنا: كل شيء يمكن التوصل به إليه الحق في طريق الدين، وهو أنواع كثيرة فمنهم من قال المراد به عهد الله.
.
ومنهم من قال المراد به القرآن، فقد جاء في الحديث «هو حبل الله المتين» ومنهم من قال المراد به طاعة الله.
.
وهذه الأقوال كلها متقاربة والتحقيق ما ذكرنا من أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزا من السقوط فيها وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعةالمؤمنين حرزا لصاحبه من السقوط في جهنم، جعل ذلك حبلا الله وأمروا بالاعتصام به .
ثم أمرهم- سبحانه- بتذكر نعم الله عليهم فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها.
قوله شَفا حُفْرَةٍ الشفا طرف الشيء وحرفه مثل شفا البئر، وشفا الحفرة ومنه يقال: فلان أشفى على الشيء إذا أشرف عليه، كأنه بلغ شفاه أى حده وحرفه.
والمعنى: واذكروا أيها المؤمنون وتنبهوا بعقولكم وقلوبكم إلى نعمة الله عليكم بتأليف نفوسكم ورأب صدوعكم، فقد كنتم في الجاهلية أعداء متقاتلين متنازعين، فألف بين قلوبكم بأخوة الإسلام فأصبحتم متحابين متناصحين متوادين وكنتم على وشك الوقوع في النار بسبب اختلافكم وضلالكم فمن الله عليكم وأنقذكم من التردي فيها بهدايتكم إلى الحق عن طريق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي أرسله ربه رحمة للعالمين.
إذا فمن الواجب عليكم وفاء لهذه النعم أن تشكروا الله عليها وأن تطيعوا رسولكم صلّى الله عليه وسلّم وأن تتمسكوا بعرى المحبة والمودة والأخوة فيما بينكم.
قال ابن كثير: قوله- تعالى- وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً.
.
إلخ.
هذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم، والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام.
فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم فأنقذهم الله منها إذ هداهم للإيمان وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم بما فضل عليهم في القسمة بما رآه، فخطبهم فقال يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ فكانوا كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ» .
وفي هذه الآية الكريمة تصوير بديع مؤثر لحالة المسلمين قبل الإسلام وحالتهم بعد الإسلام.
فقد صور- سبحانه- حالهم وترديهم في الكفر والاختلاف والتقاتل قبل أن يدخلوا في الإسلام بحال من يكون على حافة حفرة من النار يوشك أن يقع فيها.
وصور هدايته لهم إلى سبيل الحق والمحبة والإخاء بدخولهم في الإسلام عن طريق محمد صلّى الله عليه وسلّم بحالة من يبعد غيره عن الترديفي النار وينقذه من الوقوع فيها.
قال صاحب الكشاف: «والضمير المجرور في قوله فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها يعود للحفرة أو للنار أو للشفا، وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة- فاكتسب التأنيث من المضاف إليه- كما قال: كما شرقت صدر القناة من الدم.
.
وشفا الحفرة وشفتها: حرفها بالتذكير والتأنيث.
فإن قلت: كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت: لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار «فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها، مشفين- أى مشرفين- على الوقوع فيها» .
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
أى كهذا البيان الواضح الذي سمعتموه في هذه الآيات، يبين الله لكم دائما من آياته ودلائله وحججه ما يسعدكم في الدنيا والآخرة، وما يأخذ بيدكم إلى وسائل الهداية وأسبابها، رجاء أن تكونوا ممن رضى الله عنهم وأرضاهم بسبب اهتدائهم إلى الصراط المستقيم.

﴿ تفسير ابن كثير ﴾

وقوله : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) قيل ( بحبل الله ) أي : بعهد الله ، كما قال في الآية بعدها : ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) [ آل عمران : 112 ] أي بعهد وذمة وقيل : ( بحبل من الله ) يعني : القرآن ، كما في حديث الحارث الأعور ، عن علي مرفوعا في صفة القرآن : " هو حبل الله المتين ، وصراطه المستقيم " .وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى ، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثنا أسباط بن محمد ، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي ، عن عطية عن [ أبي ] سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كتاب الله ، هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض " .وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذا القرآن هو حبل الله المتين ، وهو النور المبين وهو الشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتبعه " .وروي من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك . [ وقال وكيع : حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال : قال عبد الله : إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين ، يا عبد الله ، بهذا الطريق هلم إلى الطريق ، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن ] .وقوله : ( ولا تفرقوا ) أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة ، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يرضى لكم ثلاثا ، ويسخط لكم ثلاثا ، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ، ويسخط لكم ثلاثا : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال " .وقد ضمنت لهم العصمة ، عند اتفاقهم ، من الخطأ ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضا ، وخيف عليهم الافتراق ، والاختلاف ، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة ، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار ، وهم الذين على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .وقوله : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا [ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ] ) إلى آخر الآية ، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج ، فإنه كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية ، وعداوة شديدة وضغائن ، وإحن وذحول طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم ، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم ، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله ، متواصلين في ذات الله ، متعاونين على البر والتقوى ، قال الله تعالى : ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم [ إنه عزيز حكيم ] ) [ الأنفال : 62 ] وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم ، فأبعدهم الله منها : أن هداهم للإيمان . وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين ، فعتب من عتب منهم لما فضل عليهم في القسمة بما أراه الله ، فخطبهم فقال : يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي ؟ " كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن .وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره : أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج ، وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج ، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة ، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب ، ففعل ، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض ، وتثاوروا ، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم ، وتواعدوا إلى الحرة ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول : " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ " وتلا عليهم هذه الآية ، فندموا على ما كان منهم ، واصطلحوا وتعانقوا ، وألقوا السلاح ، رضي الله عنهم وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك . والله أعلم .

﴿ تفسير القرطبي ﴾

قوله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : واعتصموا العصمة المنعة ; ومنه يقال للبذرقة : عصمة .
والبذرقة : الخفارة للقافلة ، وذلك بأن يرسل معها من يحميها ممن يؤذيها .
قال ابن خالويه : البذرقة ليست بعربية وإنما هي كلمة فارسية عربتها العرب ; يقال : بعث السلطان بذرقة مع القافلة .
والحبل لفظ مشترك ، وأصله في اللغة السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة .
والحبل : حبل العاتق .
والحبل : مستطيل من الرمل ; ومنه الحديث : والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج ; والحبل الرسن .
والحبل العهد ; قال الأعشى :وإذا تجوزها جبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حبالهايريد الأمان .
والحبل الداهية ; قال كثير :فلا تعجلي يا عز أن تتفهمي بنصح أتى الواشون أم بحبولوالحبالة : حبالة الصائد .
وكلها ليس مرادا في الآية إلا الذي بمعنى العهد ; عن ابن عباس .
وقال ابن مسعود : حبل الله القرآن .
ورواه علي وأبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك .
وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا القرآن هو حبل الله .
وروى تقي بن مخلد حدثنا يحيى بن الحميد حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا قال : الجماعة ; روي عنه وعن غيره من وجوه ، والمعنى كله متقارب متداخل ; فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة .
ورحم الله ابن المبارك حيث قالإن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن داناالثانية : قوله تعالى : ولا تفرقوا يعني في دينكم كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم ; عن ابن مسعود وغيره .
ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة ، وكونوا في دين الله إخوانا ; فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر ; ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا .
وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع ; فإن ذلك ليس اختلافا إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع ، وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع ; وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث ، وهم مع ذلك متآلفون .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اختلاف أمتي رحمة ) وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد .
روى الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .
قال الترمذي : هذا حديث صحيح .
وأخرجه أيضا عن ابن عمر قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه سلم : ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى لو كان منهم من يأتي أمه علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي .
أخرجه من حديث عبد الله بن زياد الإفريقي ، عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمر ، وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
قال أبو عمر : وعبد الله الإفريقي ثقة وثقه قومه وأثنوا عليه ، وضعفه آخرون .
وأخرجه أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى ، الله عليه وسلم : قال ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أفواج تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله .
وفي سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله عنه راض .
قال أنس : وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء ، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل ، يقول الله : فإن تابوا قال : خلعوا الأوثان وعبادتها وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وقال في آية أخرى : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين .
أخرجه عن نصر بن علي الجهضمي عن أبي أحمد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس .
قال أبو الفرج الجوزي : فإن قيل هذه الفرق معروفة ; فالجواب أنا نعرف الافتراق وأصول الفرق وأن كل طائفة من الفرق انقسمت إلى فرق ، وإن لم نحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها ، فقد ظهر لنا من أصول الفرق الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية .
وقال بعض أهل العلم : أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست ، وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتي عشرة فرقة ، فصارت اثنتين وسبعين فرقة .
انقسمت الحرورية اثنتي عشرة فرقة ; فأولهم الأزرقية .
قالوا : لا نعلم أحدا مؤمنا ; وكفروا أهل القبلة إلا من دان بقولهم .
والإباضية .
قالوا : من أخذ بقولنا فهو مؤمن ، ومن أعرض عنه فهو منافق .
والثعلبية .
قالوا : إن الله عز وجل لم يقض ولم يقدر .
والخازمية .
قالوا : لا ندري ما الإيمان ، والخلق كلهم معذورون .
والخلفية ، زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كفر .
والكوزية ، قالوا : ليس لأحد أن يمس أحدا ، لأنه لا يعرف الطاهر من النجس ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل .
والكنزية .
قالوا : لا يسع أحدا أن يعطي ماله أحدا ; لأنه ربما لم يكن مستحقا بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق .
والشمراخية .
قالوا : لا بأس بمس النساء الأجانب لأنهن رياحين .
والأخنسية .
قالوا : لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر .
والحكمية .
قالوا : من حاكم إلى مخلوق فهو كافر .
والمعتزلة .
قالوا : اشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من الفريقين .
والميمونية .
قالوا : لا إمام إلا برضا أهل محبتنا .
وانقسمت القدرية اثنتي عشرة فرقة : الأحمرية .
وهي التي زعمت أن في شرط العدل من الله أن يملك عباده أمورهم ، ويحول بينهم وبين معاصيهم .
والثنوية ، وهي التي زعمت أن الخير من الله والشر من الشيطان .
والمعتزلة ، وهم الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا صفات الربوبية .
والكيسانية وهم الذين قالوا : لا ندري هذه الأفعال من الله أو من العباد ، ولا نعلم أيثاب الناس بعد أو يعاقبون ، والشيطانية .
قالوا : إن الله تعالى لم يخلق الشيطان .
والشريكية - قالوا : إن السيئات كلها مقدرة إلا الكفر .
والوهمية - قالوا : ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات ، ولا للحسنة والسيئة ذات .
والزبرية .
قالوا : كل كتاب نزل من عند الله فالعمل به حق ، ناسخا كان أو منسوخا .
والمسعدية زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته .
والناكثية ، زعموا أن من نكث بيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا إثم عليه .
والقاسطية .
تبعوا إبراهيم بن النظام في قوله : من زعم أن الله شيء فهو كافر .
وانقسمت الجهمية اثنتي عشرة فرقة : المعطلة - زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق .
وإن من ادعى أن الله يرى فهو كافر .
والمريسية قالوا : أكثر صفات الله تعالى مخلوقة .
والملتزقة ، جعلوا الباري سبحانه في كل مكان .
والواردية ، قالوا لا يدخل النار من عرف ربه ، ومن دخلها لم يخرج منها أبدا .
والزنادقة .
قالوا : ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربا ; لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس .
وما لا يدرك لا يثبت .
والحرقية - زعموا أن الكافر تحرقه النار مرة واحدة ثم يبقى محترقا أبدا لا يجد حر النار .
والمخلوقية ، زعموا أن القرآن مخلوق .
والفانية ، زعموا أن الجنة والنار يفنيان ، ومنهم من قال لم يخلقا .
والعبدية ، جحدوا الرسل وقالوا إنما هم حكماء .
والواقفية ، قالوا : لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق .
والقبرية ، ينكرون عذاب القبر والشفاعة .
واللفظية ، قالوا لفظنا بالقرآن مخلوق .
وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة : التاركية ، قالوا ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به ، فمن آمن به فليفعل ما شاء .
والسائبية .
قالوا : إن الله تعالى سيب خلقه ليفعلوا ما شاءوا .
والراجية .
قالوا : لا يسمى الطائع طائعا ولا العاصي عاصيا ، لأنا لا ندري ما له عند الله تعالى .
والسالبية .
قالوا : الطاعة ليست من الإيمان .
والبهيشية .
قالوا : الإيمان علم ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو كافر .
والعملية .
قالوا : الإيمان عمل .
والمنقوصية .
قالوا : الإيمان لا يزيد ولا ينقص .
والمستثنية .
قالوا : الاستثناء من الإيمان .
والمشبهة .
قالوا : بصر كبصر ويد كيد .
والحشوية .
قالوا : حكم الأحاديث كلها واحد ; فعندهم أن تارك النفل كتارك الفرض .
والظاهرية الذين نفوا القياس .
والبدعية ، أول من ابتدع هذه الأحداث في هذه الأمة .
وانقسمت الرافضة اثنتي عشرة فرقة : العلوية .
قالوا : إن الرسالة كانت إلى علي وإن جبريل أخطأ .
والأمرية .
قالوا : إن عليا شريك محمد في أمره .
والشيعة .
قالوا : إن عليا - رضي الله عنه - وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووليه من بعده ، وإن الأمة كفرت بمبايعة غيره .
والإسحاقية .
قالوا : إن النبوة متصلة إلى يوم القيامة ، وكل من يعلم علم أهل البيت فهو نبي .
والناووسية .
قالوا : علي أفضل الأمة ، فمن فضل غيره عليه فقد كفر .
والإمامية .
قالوا : لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين ، وإن الإمام يعلمه جبريل عليه السلام ، فإذا مات بدل غيره مكانه .
والزيدية .
قالوا : ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات ، فمتى وجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف غيرهم ، برهم وفاجرهم .
والعباسية ، زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره .
والتناسخية .
قالوا : الأرواح تتناسخ ; فمن كان محسنا خرجت روحه فدخلت في خلق يسعد بعيشه .
والرجعية ، زعموا أن عليا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا ، وينتقمون من أعدائهم .
واللاعنة ، يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى وعائشة وغيرهم .
والمتربصة ، تشبهوا بزي النساك ونصبوا في كل عصر رجلا ينسبون إليه الأمر ، يزعمون أنه مهدي هذه الأمة ، فإذا مات نصبوا آخر .
ثم انقسمت الجبرية اثنتي عشرة فرقة : فمنهم المضطرية .
قالوا : لا فعل للآدمي ، بل الله يفعل الكل .
والأفعالية .
قالوا : لنا أفعال ولكن لا استطاعة لنا فيها ، وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل .
والمفروغية .
قالوا : كل الأشياء قد خلقت ، والآن لا يخلق شيء .
والنجارية ، زعمت أن الله تعالى يعذب الناس على فعله لا على فعلهم .
والمنانية .
قالوا : عليك بما يخطر بقلبك ، فافعل ما توسمت منه الخير .
والكسبية .
قالوا : لا يكتسب العبد ثوابا ولا عقابا .
والسابقية .
قالوا : من شاء فليعمل ومن شاء فلا يعمل ، فإن السعيد لا تضره ذنوبه والشقي لا ينفعه بره .
والحبية .
قالوا : من شرب كأس محبة الله تعالى سقطت عنه عبادة الأركان .
والخوفية .
قالوا : من أحب الله تعالى لم يسعه أن يخافه ، لأن الحبيب لا يخاف حبيبه .
والفكرية .
قالوا : من ازداد علما أسقط عنه بقدر ذلك من العبادة .
والخشبية .
قالوا : الدنيا بين العباد سواء ، لا تفاضل بينهم فيما ورثهم أبوهم آدم .
والمنية .
قالوا : منا الفعل ولنا الاستطاعة .
وسيأتي بيان الفرقة التي زادت في هذه الأمة في آخر سورة " الأنعام " إن شاء الله تعالى .
وقال ابن عباس لسماك الحنفي : يا حنفي ، الجماعة الجماعة ! فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها ; أما سمعت الله عز وجل يقول : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا .
يرضى لكم : أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .
ويكره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال .
.
فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف ، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادا وعملا ; وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين ، والسلامة من الاختلاف ، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين .
هذا معنى الآية على التمام ، وفيها دليل على صحة الإجماع حسبما هو مذكور في موضعه من أصول الفقه ، والله أعلم .
قوله تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها أمر تعالى بتذكر نعمه ، وأعظمها الإسلام واتباع نبيه محمد عليه السلام ; فإن به زالت العداوة والفرقة وكانت المحبة والألفة .
والمراد الأوس والخزرج ; والآية تعم .
ومعنى فأصبحتم بنعمته إخوانا أي صرتم بنعمة الإسلام إخوانا في الدين .
وكل ما في القرآن ( أصبحتم ) معناه صرتم ; كقوله تعالى : إن أصبح ماؤكم غورا أي صار غائرا .
والإخوان جمع أخ ، وسمي أخا لأنه يتوخى مذهب أخيه ، أي يقصده .
وشفا كل شيء حرفه ، وكذلك شفيره ومنه قوله تعالى : على شفا جرف هار .
قال الراجز :نحن حفرنا للحجيج سجله نابتة فوق شفاها بقلهوأشفى على الشيء أشرف عليه ; ومنه أشفى المريض على الموت .
وما بقي منه إلا شفا أي قليل قال ابن السكيت : يقال للرجل عند موته وللقمر عند إمحاقه وللشمس عند غروبها : ما بقي منه إلا شفا أي قليل .
قال العجاج :ومربأ عال لمن تشرفا أشرفته بلا شفا أو بشفاقوله " بلا شفى " أي غابت الشمس .
" أو بشفى " وقد بقيت منها بقية .
وهو من ذوات الياء ، وفيه لغة أنه من الواو .
وقال النحاس : الأصل في شفا شفو ، ولهذا يكتب بالألف ولا يمال .
وقال الأخفش : لما لم تجز فيه الإمالة عرف أنه من الواو ; ولأن الإمالة بين الياء ، وتثنيته شفوان .
قال المهدوي : وهذا تمثيل يراد به خروجهم من الكفر إلى الإيمان .

﴿ تفسير الطبري ﴾

القول في تأويل قوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًاقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعًا.
يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله.
* * *وقد دللنا فيما مضى قبلُ على معنى " الاعتصام " (22)* * *وأما " الحبل "، فإنه السبب الذي يوصَل به إلى البُغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان " حبلا "، لأنه سبب يُوصَل به إلى زوال الخوف، والنجاة من الجزَع والذّعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:وَإذَا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍأَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَها (23)ومنه قول الله عز وجل: إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [سورة آل عمران: 112]* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:7562- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا العوّام، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود أنه قال في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعا "، قال: الجماعة.
7563- حدثنا المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن العوّام، عن الشعبي، عن عبد الله في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، قال: حبلُ الله، الجماعة.
* * *وقال آخرون: عنى بذلك القرآنَ والعهدَ الذي عَهِدَ فيه.
*ذكر من قال ذلك:7564- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، حبل الله المتين الذي أمر أن يُعتصم به: هذا القرآن.
7565- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا " قال: بعهد الله وأمره.
7566- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله قال: إن الصراط مُحْتَضَر تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله، هلمّ هذا الطريق! ليصدّوا عن سبيل الله،.
فاعتصموا بحبل الله، فإن حبلَ الله هو كتاب الله.
(24)7567 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد بن المفضل، عن أسباط، عن السدي: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، أما " حبل الله "، فكتاب الله.
7568- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " بحبل الله "، بعهد الله.
7569- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء: " بحبل الله "، قال: العهد.
7570- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل ، عن عبد الله: " واعتصموا بحبل الله " قال: حبلُ الله: القرآن.
7571- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، قال: القرآن.
7572- حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتاب الله، هو حبل الله الممدودُ من السماء إلى الأرض.
(25)* * *وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله.
*ذكر من قال ذلك:7573- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله : " واعتصموا بحبل الله جميعا "، يقول: اعتصموا بالإخلاص لله وحده.
7574- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، قال: الحبل، الإسلام.
وقرأ وَلا تَفَرَّقُوا .
* * *القول في تأويل قوله عز وجل : وَلا تَفَرَّقُواقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ولا تفرقوا "، ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه، من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى أمره.
كما:-7575- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم "، إنّ الله عز وجل قد كره لكم الفُرْقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمعَ والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضى الله لكم إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله.
7576- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العالية: " ولا تفرّقوا "، لا تعادَوْا عليه، يقول: على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانًا.
(26)7577- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح: أن الأوزاعي حدثه، أنّ يزيد الرقاشي حدّثه أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسَبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة.
قال: فقيل: يا رسول الله، وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يَدَه وقال: الجماعة " ،" واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا ".
(27)7578- حدثني عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، سمعت الأوزاعي يحدث، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
(28)7579- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا المحاربي، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قُطْبَة المدنيّ، عن عبد الله: أنه قال: " يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمرَ به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة، هو خيرٌ مما تستحبون في الفرقة ".
(29)7580- حدثنا عبد الحميد بن بيان السكريّ قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطبَة قال: سمعت ابن مسعود وهو يخطب وهو يقول: يا أيها الناس ، ثم ذكر نحوه.
(30)7581- حدثنا إسماعيل بن حفص الأبُلِّيُّ قال، حدثنا عبد الله بن نمير أبو هشام قال، حدثنا مجالد بن سعيد، عن عامر، عن ثابت بن قطبة المدني قال: قال عبد الله: عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمرَ به، ثم ذكر نحوه.
(31)* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًاقال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " واذكروا نعمة الله عليكم "، واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام.
واختلف أهل العربية في قوله: " إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ".
فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: انقطع الكلام عند قوله: " واذكروا نعمة الله عليكم "، ثم فسر بقوله: " فألف بين قلوبكم "، وأخبرَ بالذي كانوا فيه قبل التأليف، كما تقول: " أمسَكَ الحائط أن يميل ".
وقال بعض نحويي الكوفة: قوله " إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم "، تابع قوله: " واذكروا نعمة الله عليكم " غير منقطعة منها.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله: " إذ كنّتم أعداءً فألّف بين قلوبكم "، متصل بقوله: " واذكروا نعمة الله عليكم "، غير منقطع عنه.
وتأويل ذلك: واذكروا، أيها المؤمنون، نعمة الله عليكم التي أنعمَ بها عليكم، حين كنتم أعداء في شرككم، (32) يقتل بعضكم بعضًا، عصبيةً في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخوانًا بعد إذ كنتم أعداءً تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه، كما:-7582- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم "، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألَّف به بينكم.
أما والله الذي لا إله إلا هو، إنّ الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذابٌ.
7583- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء "، يقتل بعضكم بعضًا، ويأكل شديدُكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فألف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانًا.
* * *قال أبو جعفر: فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكرُوها، هي ألفة الإسلام، واجتماع كلمتهم عليها = والعداوةُ التي كانت بينهم، التي قال الله عز وجل: " إذ كنتم أعداء " فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام، يزعم العلماء بأيام العرب أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة،.
كما:-7584- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم.
ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
(33)* * *فذكَّرهم جل ثناؤه إذ وعظهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضًا وقتل بعضهم بعضًا، وخوف بعضهم من بعض، وما صارُوا إليه بالإسلام واتباع الرّسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان به وبما جاء به، من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانًا، وكأن سبب ذلك ما:-7585- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدني، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا.
قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه.
قال: فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، قال: فقال له سويد: فلعل الذي مَعك مثل الذي معي! قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما الذي معك؟ قال: مجلة لقمان " -يعني: حكمة لقمان- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اعرضْها عليّ" فعرضها عليه، فقال: " إن هذا لكلام حسنٌ، (34) معي أفضل من هذا، قرآنٌ أنزله الله عليّ هدًى ونورٌ" .
قال: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآنَ، ودعاه إلى الإسلام، فلم يُبعد منه، وقال: إن هذا لقولٌ حَسن! ثم انصرف عنه وقدم المدينةَ، فلم يلبث أن قتلته الخزرج.
فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم.
وكان قتله قبل يوم بُعاثٍ.
(35)7586- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، (36) أحد بني عبد الأشهل: أن محمودَ بن لبيد، (37) أحدَ بني عبد الأشهل قال: لما قدم أبو الحَيْسر أنس بن رافع مكة، (38) ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، (39) سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجلس إليهم فقال " هل لكم إلى خير مما جئتم له؟" قالوا: وما ذاك؟ قال: " أنا رسولُ الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، (40) وأنزل عليَّ الكتاب " .
ثم ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلامًا حدُثًا: (41) أيْ قوم، هذا والله خير مما جئتم له! قال: فيأخذ أبو الحَيْسَر أنس بن رافعَ حفنةً من البطحاء، (42) فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا! قال: فصمت إياس بن معاذ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعةُ بعاث بين الأوس والخزرج.
قال.
ثم لم يلبث إياسُ بن معاذ أن هلك.
قال: فلما أراد الله إظهارَ دينه، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنجازَ موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفرَ من الأنصارَ يعرض نفسه على قبائل العرب، (43) كما كان يصنع في كل موسم.
فبينا هو عند العقبة، إذ لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا (44) .
=قال ابن حميد قال، سلمة قال، محمد بن إسحاق، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة؛ عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: " من أنتم؟" قالوا: نفر من الخزرج قال، أمن موالي يهود؟ (45) قالوا: نعم قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ قالوا: بلى!.
قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرَض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
قال: وكان مما صنَع الله لهم به في الإسلام، (46) أنّ يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهلَ كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك، أصحابَ أوثان، (47) وكانوا قد غزوهم ببلادهم.
فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالوا لهم: إن نبيًّا الآن مبعوث قد أظلّ زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتلَ عاد وإرَم!.
فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفرَ ودعاهم إلى الله عز وجل، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي تَوَعَّدُكم به يهود، فلا يسبقُنَّكم إليه! (48) فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صَدّقوه وقبلوا منه ما عَرَض عليهم من الإسلام، وقالوا له: (49) إنا قد تركنا قومَنا ولا قومَ بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسَى الله أن يجمعهم بك، وسنَقْدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين؛ فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجلَ أعزّ منك.
ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدّقوا = وهم فيما ذكر لي ستة نفر.
قال: فلما قدموا المدينة على قومهم، ذكرُوا لهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فَشا فيهم، فلم تَبقَ دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حتى إذا كان العامُ المقبل، وافى الموسمَ من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيْعَة النساء، (50) وذلك قبل أن تُفترَض عليهم الحرب.
(51)7587- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة: أنه لقىَ النبي صلى الله عليه وسلم ستةُ نفرٍ من الأنصار فآمنوا به وصدّقوه، فأراد أن يذهبَ معهم، فقالوا: يا رسول الله، إن بين قومنا حربًا، وإنا نخافُ إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريدُ.
فوعدوه العامَ المقبلَ، وقالوا: يا رسول الله، نذهب، فلعلّ الله أن يُصْلح تلك الحرب! قال: فذهبوا ففعلوا، فأصلح الله عز وجل تلك الحرب، وكانوا يُرَوْن أنها لا تَصْلُح = وهو يوم بُعاث.
فلقوه من العام المقبل سبعينَ رجلا قد آمنوا، فأخذ عليهم النقباءَ اثني عشر نقيبًا، فذلك حين يقول: " واذكروا نعمة الله عليكم إذْ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم ".
7588- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما: " إذ كنتم أعداء "، ففي حرب ابن سُمَير (52) =" فألف بين قلوبكم "، بالإسلام.
7589- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بنحوه = وزاد فيه: فلما كان من أمر عائشة ما كان، (53) فتثاوَر = الحيَّان، فقال بعضهم لبعض: مَوْعدُكم الحَرَّة! فخرجوا إليها، فنزلت هذه الآيةُ: " واذكروا نعمةَ الله عليكم إذْ كنتم أعداء فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا "، الآية.
فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يتلوها عليهم حتى اعتنق بعضهم بعضًا، وحتى إن لهم لخنينًا = يعني البكاءَ.
(54)* * *" وسُمَير " الذي زعم السدي أن قوله " إذ كنتم أعداء " عنى به حربه، هو سُمير بن زيد بن مالك، (55) أحد بني عمرو بن عوف الذي ذكره مالك بن العجلان في قوله:إنَّ سُمَيْرًا أَرُى عَشِيرَتَهُقَدْ حَدِبُوا دُونَهُ وَقَدْ أنِفُوا (56)إنْ يَكًنِ الظَّنُّ صَادِقِي بَبَنِيالنَّجَّارِ لَمْ يَطْعَمُوا الَّذِي عُلِفُوا (57)وقد ذكر علماء الأنصار: أنّ مبدأ العداوة التي هيَّجت الحروب التي كانت بين قبيلتَيها الأوسِ والخزرجِ وأوَّلها، كان بسبب قتل مَولى لمالك بن العجلان الخزرجيّ، يقال له: " الحرُّ بن سُمَير " من مزينة، (58) وكان حليفًا لمالك بن العجلان، ثم اتصلت تلك العداوة بينهم إلى أن أطفأها الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
فذلك معنى قول السدي: " حرْب ابن سمير ".
* * *وأما قوله: " فأصبحتم بنعمته إخوانًا "، فإنه يعني: فأصبحتم بتأليف الله عز وجل بينكم بالإسلام وكلمة الحق، والتعاون على نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانًا متصادقين، لا ضغائن بينكم ولا تحاسد، كما:-7590- حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " فأصبحتم بنعمته إخوانًا "، وذكر لنا أن رجلا قال لابن مسعود: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخوانًا.
* * *القول في تأويل قوله : وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَاقال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه " وكنتم على شفا حفرة من النار "، وكنّتم، يا معشر المؤمنين، من الأوس والخزرج، على حرف حُفرةٍ من النار.
وإنما ذلك مثَلٌ لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام.
يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرَف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه قبل أن يُنعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له.
* * *و " شفا الحفرة "، طرفها وَحرفها، مثل " شفا الركيَّة والبئر "؛ ومنه قول الراجز:نَحْنُ حَفَرنَا لِلْحَجيِجِ سَجْلَهْنَابِتَةٌ فَوْقَ شَفَاهَا بَقْلَةْ (59)يعني: فوق حرفها.
يقال: " هذا شفا هذه الركية " مقصور " وهما شفواها "* * *وقال: " فأنقذكم منها "، يعني فأنقذكم من الحفرة، فردّ الخبر إلى " الحفرة "، وقد ابتدأ الخبر عن " الشفا "، لأن " الشفا " من " الحفرة ".
فجاز ذلك، إذ كان الخبر عن " الشفا " على السبيل التي ذكرها في هذه الآية = خبرًا عن " الحفرة "، كما قال جرير بن عطية:رَأَتْ مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنَّيكما أخَذ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ (60)فذكر: " مر السنين "، ثم رجع إلى الخبر عن " السنين "، وكما قال العجاج: (61)طُولُ اللَّيَالِي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِيطَوَيْنَ طولِي وَطَوَيْنَ عَرْضِي (62)وقد بيَّنتُ العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل.
(63)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل، قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:7591- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته "، كان هذا الحيّ من العرب أذلَّ الناس ذُلا وأشقاهُ عيشًا، (64) وأبْيَنَه ضلالة، وأعراهُ جلودًا، وأجوعَه بطونًا، مَكْعُومين (65) على رأس حجر بين الأسدين فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه.
مَنْ عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات رُدِّي في النار، (66) يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظًّا، وأدق فيها شأنًّا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورَّثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، (67) وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس.
وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نِعمَه، فإن ربكم منعِمٌ يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك.
7592- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله: " وكنتم على شفا حفرة من النار "، يقول: كنتم على الكفر بالله، =" فأنقذكم منها "، من ذلك، وهداكم إلى الإسلام.
7593- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها "، بمحمد صلى الله عليه وسلم يقول: كنتم على طرَف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، (68) فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فاستنقذكم به من تلك الحفرة.
7594- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا حسن بن حيّ: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " قال: عصبية.
(69)* * *القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " كذلك "، كما بيَّن لكم ربكم في هذه الآيات، أيها المؤمنون من الأوس والخزرج، من غِلّ اليهود الذي يضمرونه لكم، (70) وغشهم لكم، وأمره إياكم بما أمركم به فيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والحال التي كنتم عليها في جاهليتكم، والتي صرتم إليها في إسلامكم،= (71) مُعَرِّفَكم في كل ذلك مواقع نعمة قِبَلكم، وصنائعه لديكم،= (72) فكذلك يبين سائر حججه لكم في تنزيله وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
=" لعلكم تهتدون "، يعني: لتهتدوا إلى سبيل الرشاد وتسلكوها، فلا تضِلوا عنها.
(73)------------------الهوامش :(22) انظر تفسير"الاعتصام" فيما سلف قريبا ص: 62 ، 63.
(23) ديوانه: 24 ، ومشكل القرآن: 358 ، والمعاني الكبير: 1120 ، واللسان (حبل) وغيرها.
من قصيدته في قيس بن معد يكرب ، ومضت منها أبيات في 4 : 238 ، 327 ، وهذا البيت في ذكر ناقته ، يقول قبله:فَتَرَكْتُها بَعْدَ المِرَاحِ رَذِيةًوَأَمِنْتُ عِنْدَ رُكُوبِهَا إِعْجَالَهافَتَنَاوَلتْ قَيْسًا بِحُرِّ بِلادِهفأتَتْهُ بَعْدَ تَنُوفَةٍ فأَنَالَهَافإِذَا تُجَوِّزُهَا.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وقد مضى قبل مثل هذا البيت الأخير ص: 62 ، تعليق: 2إلَى المرءِ قيسٍ أُطِيلُ السُّرَىوَآخذُ من كُلّ حَيٍّ عُصُمْيقول: إذا أخذت من قبيلة عهودها حتى أجتاز ديارها آمنًا ، أعطتها القبيلة التي تليها عهدًا وذمامًا أن تخترق ديارها آمنة لا ينالها أحد بسوء.
وذلك أن القبائل كلها ترهب قيسًا وتخافه ، فكل قاصد إليه ، أجد الأمان حيث سار ، لأنه بقصده قيسًا جار له ، لا يطيق أحد أن يناله بسوء.
(24) الأثر: 7566- رواه في مجمع الزوائد بغير هذا اللفظ ، وهو قريب منه.
ونسبه إلى الطبراني وقال: "رواه عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ، وهو ضعيف".
وهذا الذي رواه الطبري إسناد صحيح.
(25) الحديث: 7572- عبد الملك بن أبي سليمان العرزمى -بسكون الراء ثم زاي مفتوحة- أحد الأئمة: مضى توثيقه: 1455.
عطية: هو ابن سعد بن جنادة -بضم الجيم- العوفي.
وقد بينا في : 305 أنه ضعيف.
وقد سقط من المخطوطة والمطبوعة هنا قوله [عن عطية].
وزدناه من نقل ابن كثير 2 : 203 ، عن هذا الموضع من الطبري.
ثم الحديث -من حديث أبي سعيد- يدور في كل ما رأينا من طرقه على عطية العوفي ، كما سيأتي:فرواه أحمد في المسند: 11229 ، 11582 (ج3ص 26 ، 59 حلبي) ، عن ابن نمير ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد ، بنحوه ، مرفوعًا مطولا.
ورواه أيضا: 11120 (ج 3 ص 14) ، من طريق إسماعيل بن أبي إسحاق الملائي ، عن عطية.
ورواه أيضا: 11148 (ج 3 ص 17) ، عن أبي النضر ، عن محمد بن طلحة ، عن الأعمش عن عطية العوفي.
وكذلك رواه الترمذي 4 : 343 ، من طريق محمد بن فضيل ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد -وعن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن زيد بن أرقم ، مرفوعًا ، نحوه مطولا.
فهو عنده عن أبي سعيد وعن زيد بن أرقم.
ثم قال: "هذا حديث حسن غريب".
فأما حديث أبي سعيد ، فقد بينا أنه ضعيف ، من أجل عطية العوفي.
وأما حديث زيد بن أرقم ، فإنه حديث صحيح.
وهو قطعة من قصة مطولة ، رواها أحمد في المسند 4 : 366 - 367 (حلبي).
ورواها مسلم 2 : 237 - 238 ، مطولة ومختصرة.
وروى ابن حبان في صحيحه ، رقم: 123 (بتحقيقنا) - قطعة منه ، فيها أن"كتاب الله ، هو حبل الله".
ثم نعود لحديث أبي سعيد:فذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 163 ، مطولا ، بنحو رواية الترمذي.
ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط.
وفي إسناده رجال مختلف فيهم"!ولست أدرى ، لم ذكره في الزوائد ، وهو في الترمذي؟ ثم لم ترك نسبته للمسند ، وهو مروي فيه أربع مرات؟!وذكره السيوطي 2: 60 ، مختصرًا كما هنا.
ولم ينسبه إلا لابن أبي شيبة وابن جرير.
ثم ذكر الرواية المطولة عن أبي سعيد.
ونسبه لابن سعد ، وأحمد ، والطبراني.
(26) في المخطوطة"وتكونوا عليه إخوانا" ، والصواب ما في المطبوعة ، والدر المنثور 2 : 61(27) الحديث: 7577- يزيد الرقاشي: هو يزيد أبان ، أبو عمرو ، البصري القاص.
وقد أشرنا في شرح: 6654 ، 6728 إلى أنه ضعيف.
وقال البخاري في الكبير 4 / 2 / 320: "كان شعبة يتكلم فيه" ، وقال النسائي في الضعفاء: "متروك" ، وقال ابن سعد 7 / 2 / 13: "كان ضعيفًا قدريًا".
والحديث رواه ابن ماجه: 3993 ، من طريق الوليد بن مسلم: "حدثنا أبو عمرو [هو الأوزاعي] ، حدثنا قتادة ، عن أنس.
فذكره نحوه مرفوعًا ، ولكن آخره عنده: "كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة".
وقال البوصيري في زوائده: "إسناده صحيح.
رجاله ثقات".
وهو كما قال.
فيكون الأوزاعي رواه عن شيخين ، أحدهما ضعيف ، والآخر ثقة.
وأن الضعيف -يزيد الرقاشي- زاد الاستشهاد بالآية.
ولا بأس بذلك ، فالمعنى قريب.
وذكره السيوطي 2 : 60 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم.
(28) الحديث: 7578- هذا الحديث تكرار للحديث قبله.
وعبد الكريم بن أبي عمير - شيخ الطبري: ذكره الذهبي في الميزان 2 : 144 بلقب"للدهان" ، وقال: "فيه جهالة.
والخبر منكر".
يريد حديثًا آخر ، بينه الحافظ في لسان الميزان 4 : 50 - 51 ، عن تاريخ بغداد.
في ترجمة رجل آخر.
وهو في تاريخ بغداد 3 : 242.
وفيه اسم هذا الشيخ في ذاك الإسناد: "عبد الكريم بن أبي عمير الدهقان".
ولم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في موضع آخر.
(29) الأثر: 7579-"ثابت بن قطبة المدني الثقفي" ، مترجم في الكبير 1 / 2 / 168 ، والجرح 1 / 1 / 457 ، قال البخاري: "سمع ابن مسعود ، روى عنه أبو إسحاق ، والشعبي" وزاد ابن أبي حاتم: "وزياد بن علاقة ، وسالم بن أبي الجعد".
وكان في المطبوعة في هذا الموضع وفي الأثرين التاليين"ثابت بن قطنة" بالنون من"قطنة" ، وهو خطأ.
وفي المخطوطة في هذا الأثر"فطنه" غير منقوطة ، ونقطت الباء في الأثرين التاليين.
وفي المخطوطة والمطبوعة: "المرى" في هذا الأثر وفي رقم: 7581 ، والصواب"المدني" كما أثبته ، وثابت ثقفي ، لا مرى.
(30) الأثر: 7580- في المطبوعة: "عبد الحميد بن بيان اليشكري" ، وهو خطأ ، والصواب المخطوطة.
وقد سلف مثل هذا الخطأ في رقم: 7378 ، فانظر التعليق عليه.
(31) الأثر: 7581-"إسماعيل بن حفص بن عمرو الأبلى ، أبو بكر الأودي البصري ، و"الأبلي" (بضم الهمزة والباء الموحدة ، واللام المشددة المكسورة) نسبة إلى"الأبلة".
وفي بعض الكتب"الأيلي" بالياء.
روى عن أبيه ، وحفص بن غياث ، ومعتمر بن سليمان وغيرهم.
روى عنه النسائي وابن ماجه ، وابن خزيمة وجماعة.
وسمع منه أبو حاتم ، قال ابن أبي حاتم: "وسألت أبي عنه فقال: كتبت عنه وعن أبيه ، وكان أبوه يكذب ، وهو بخلاف أبيه.
قلت: لا بأس به؟ قال: لا يمكنني أن أقول لا بأس به".
وذكره ابن حبان في الثقات.
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 165.
(32) في المطبوعة: "أي بشرككم" ، وليست بشيء ، وفي المخطوطة"أي شرككم" ولا معنى لها ، وفيها زيادة ألف"أي" ، و"ى" هي"في" فالذي أثبته هو الصواب والسياق.
(33) الأثر: 7584- لم أستطع أن أهتدي إلى مكانه من سيرة ابن هشام في هذه الساعة.
(34) في المطبوعة: "إن هذا الكلام" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام.
(35) الأثر: 7585- سيرة ابن هشام 2: 67 - 69.
(36) في المطبوعة: "الحسين بن عبد الرحمن .
.
.
" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة وسيرة ابن هشام ، وهو مترجم في التهذيب.
(37) في المطبوعة: "محمود بن أسد" ، وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة ، ولم يحسن الناشر قراءتها لخلوها من النقط ، وصوابه أيضًا في ابن هشام.
و"محمود بن لبيد الأشهلي" تابعي ، واختلف في صحبته.
مترجم في التهذيب.
(38) في المطبوعة والمخطوطة: "أبو الجيش أنس بن رافع" ، وهو خطأ فاحش ، صوابه من سيرة ابن هشام 2: 69 ، وسائر كتب التاريخ.
(39) في المخطوطة والمطبوعة: "على قوم من الخزرج" ، والصواب ما في سيرة ابن هشام.
كما أثبت.
(40) في المخطوطة: "أن يعبدون الله.
.
.
" سهو من الناسخ ، وفي ابن هشام"أدعوهم إلى أن يعبدوا الله".
(41) غلام حدث (بفتح الحاء وضم الدال): كثير الحديث حسن السياق له.
(42) في المطبوعة: "فأخذ أبو الجيش" ، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام.
(43) في المخطوطة والمطبوعة: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الموسم.
.
.
" بإسقاط"في" وأثبتها من ابن هشام.
وفي ابن هشام: "فعرض نفسه" بالفاء ، وما في مخطوطة الطبري ، جيد(44) في المطبوعة: "لهم خيرًا" ، والصواب من المخطوطة وابن هشام.
(45) "موالي يهود": أي من حلفائهم ، والمولي: الحليف.
(46) هذا هو النص الصحيح ، لما أثبت ناشر سيرة ابن هشام ، مخالفا أصول السيرة ، وما جاء هنا.
(47) في ابن هشام: "وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان" ، وما في الطبري صواب أيضا.
(48) في المطبوعة والمخطوطة: "ولا يسبقنكم" بالواو ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.
(49) في المطبوعة والمخطوطة: "قالوا" بإسقاط الواو ، والصواب ما في سيرة ابن هشام.
(50) بيعة النساء ، هي البيعة المذكورة في [سورة الممتحنة: 12] ، ونصها فيما رواه ابن إسحاق بإسناديه عن عبادة بن الصامت أنه قال (ابن هشام 2 : 75 ، 76): "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيلَةَ العقبة الأولى على أن لا نُشْرك بالله شيئًا ، ولا نَسْرِق ، ولا نزني ، ولا نقتُل أولادَنا ، ولا نأتي ببُهْتانٍ نَفتريهِ من بين أيدينا وأرجُلنا ، ولا نَعْصِيه في معروفٍ = فإِن وَفَيْتُم ، فلكُمُ الجنَّة.
وإن غَشِيتُم من ذلك شيئًا فأُخِذْتم بحدِّه في الدنيا ، فهو كفَّارةٌ لكم.
وإن سترتُم عليه إلى يوم القيامة ، فأمركم إلى الله ، إن شاءَ عذب وإن شاءَ غفر".
وهذه بيعة لم يذكر فيها القتال والجهاد ، مما كتبه الله على الرجال دون النساء ، ولذلك سميت بيعة النساء ، لأنها مطابقة لبيعتهن المذكورة في سورة الممتحنة.
(51) الأثر: 7586- سيرة ابن هشام 2 : 69 - 73 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 7585.
(52) في المخطوطة والمطبوعة"ففي حرب فألف .
.
.
" أسقط"ابن سمير" ، وسيأتي نص قول السدي ، كما أثبته بعد ص 83 س : 3.
(53) يعني ما كان من حديث الإفك في أمر عائشة أم المؤمنين ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس فذكر لهم رجالا يؤذونه في أهله ويقولون عليهن غير الحق ، وتولى كبر ذلك رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول في رجال من الخزرج.
فقام أسيد بن حضير الأوسي فقال: يا رسول الله ، إن يكونوا من الأوس نكفيكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج ، فمرنا بأمرك ، فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم.
فقام سعد بن عبادة الخزرجي ، فقال: كذبت لعمر الله ، لا تضرب أعناقهم! أما والله ما قلت هذه المقالة إلا لأنك عرفت أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا! فقال أسيد بن الحضير: كذبت لعمر الله: ولكنك منافق تجادل عن المنافقين! وتثاور الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر (تاريخ الطبري 3: 69).
هذا ولم أجد ذكر هذا الخبر في كتاب ، ولم أجد في كتب أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها ، ولا ما كان يومئذ بين الأوس والخزرج.
ولم يذكر ذلك أبو جعفر مصرحًا في هذا الموضع ، ولا ذكر ذلك في تفسير سورة النور ، حيث آيات حديث الإفك وبراءة عائشة أم المؤمنين.
(54) في المطبوعة: "لحنينًا" بالحاء ، وأما في المخطوطة ، فإن الناسخ على غير عادته نقط حروفها المعجمة جميعًا ، كما أثبتها ، وهو الصواب المحض.
والخنين: تردد البكاء في الأنف والخياشيم حتى يصير في الصوت مثل الغنة ، لكتمان البكاء من ألم وحياء وخجل.
وقد ورد في كثير من الأحاديث من ذلك: "أنه كان يسمع خنينه في الصلاة" ، وفي حديث أنس: "فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ، لهم خنين".
(55) في الأغاني 3 : 40"سمير بن يزيد بن مالك" ، وذكر في 3 : 21 أنه أخو"درهم بن يزيد بن ضبيعة" ، وقد رجحت في التعليق على طبقات فحول الشعراء لابن سلام: 247 تعليق: 6 أنه"درهم بن يزيد بن مالك" من بني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمر بن عوف.
وقد جاء في المطبوعتين"درهم بن زيد" كما جاء هنا في ذكر أخيه"سمير بن زيد".
(56) جمهرة أشعار العرب: 122 ، والأغاني 20 ، واللسان (سمر) وهذا البيت والذي يليه كتب في المطبوعة بالقاف"أبقوا" ثم"علقوا" وهما في المخطوطة غير منقوطتين ، وأوقعهم في ذلك النقط ما جاء في اللسان (سمر) ، "أبقوا" بالباء والقاف ، وهو خطأ محض ينبغي تصحيحه.
فقصيدة مالك فائية لا شك فيها.
رواها صاحب جمهرة أشعار العرب بطولها ، ورواها أبو الفرج ، وروى معها نقائضها ، لدرهم بن يزيد ، ثم لقيس بن الخطيم ، فيما بعد هذه الحرب بدهر ، ورد حسان بن ثابت عليه ومناقضته له.
وخبر هذا الشعر طويل ، هو في الأغاني 3 : 18 - 26 ، ثم 39 - 42.
ثم انظر ما قاله الطبري بعد الأبيات.
وقوله: "حدبوا دونه" ، يقال: "حدب عليه" ، إذا تعطف عليه وحنا عليه.
وقوله: "دونه" ، عني أنهم عطفوا عليه وحاموا دونه ليمنعوه.
وقوله: "أنفوا" ، يقال: "أنف الرجل من الشيء يأنف أنفا" ، إذا حمى وغضب ، وأخذته الغيرة من أن يضام.
وكان سمير هذا هو الذي قتل الرجل الثعلبي جار مالك بن العجلان -في خبر الحرب- فطالب مالك بني عمرو بن عوف أن يرسلوا إليه سميرًا ليقتله بجاره ، أو يأخذ الدية كاملة ، فأبى أولئك ، وأبى مالك ، وحدب بنو عمرو بن عوف على صاحبهم سمير ، واستنفر مالك قبائل الخزرج ، فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره ، فقال هذه الأبيات يحرض بني النجار على نصرته.
(57) في رواية الجمهرة والأغاني: "صادقا" ، وهما سواء.
وفي شرح هذا البيت قال أبو الفرج في أغانيه: "علفوا الضيم: إذا أقروا به.
أي ظني أنهم لا يقبلون الضيم" ، وهذا مجاز قلما تظفر بتفسيره في كتب اللغة.
وقد جاء مثل ذلك في هذا المعنى من قول سبيع بن زرارة ، أو خالد بن نغسلة (الحماسة 1: 186).
إِذَا كُنْتَ في قومٍ عِدًى لَسْتَ مِنْهُمُفَكُلْ مَا عُلِفْتُ من خبيثٍ وطيِّبِوقول العباس بن مرداس (الحماسة 1 : 225).
ولا تَطْعَمَنْ ما يَعْلِفٌونَك إنَّهُمْأَتَوْكَ عُلىْ قُرْبَاهُمْ بِالمُثَمَّلِوكأنهم يريدون بذلك: ما يقدم إليك ، مما يكون حسن الظاهر كأنه رعاية وكرم ، خبيث الباطن يراد به الأذى والضيم ، واستعملوا"العلف" لأنه كالاستغفال لمن يقدم إليه ، كأنه بهيمة لا تدرك الخفي الباطن.
هذا وقد ترك ناشرو هذا التفسير هذين البيتين على حالهما من التصحيف.
ثم جاء بعض المعلقين ، فكتب ما لا قبل لذي عقل بقبوله ، إلا على قول القائل: "فكل ما علفت"!(58) لست على ثقة من هذا الاسم"الحر بن سمير" ، ولكني لم أجده في مكان آخر ، والذي يقولونه في غير هذا الخبر أن اسمه"كعب بن العجلان" ، ويقال غير ذلك.
(59) لم أجد هذا الرجز بهذه الرواية في كتاب غير هذا التفسير.
أما "سجلة" فهي بئر المطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، ويقال حفرها عدي بن نوفل ، ويقال حفرها هاشم بن عبد مناف ، ويقال حفرها قصى.
وقد ذكرها ابن هشام في سيرته 2 : 157 ، والأزرقي في تاريخ مكة 1 : 64 ، 65 / 2 : 175 ، 176 ، والبلاذري في فتوح البلدان: 55 ، 56 ، والبكري في معجم ما استعجم: 724 ، ومعجم البلدان (سجلة) ، والروض الأنف 1 : 101 ، وذكرها المصعب في نسب قريش: 31 ، 197 ، ولم يذكر اسمها بل قال: "سقاية عدي ، التي بالمشعرين ، بين الصفا والمروة ، وفيها يقول مطرود الخزاعي ، يمدح عدى بن نوفل:وَمَا النِّيلُ يَأْتِي بالسَّفِينِ يَكُفُّهبأَجْوَدَ سَيْبًا من عَدِىّ بن نَوْفَلوأنبطْتَ بين المَشْعَرَيْنِ سِقايةًلِحُجَّاجِ بَيْتِ الله أفْضَلَ مَنْهَلِونسب أبو الفرج في أغانيه 13 : 5 هذا الشعر لقيس بن الحدادية من أبيات.
وأما الرجز الذي يشبه هذا وذكروه في المراجع السالفة ، فقد اختلف في نسبته ، إلى قصى ، وإلى خلدة بنت هاشم ، تقول:نَحْنُ وَهَبْنَا لِعَدِىٍّ سَجْلَهْفي تُرْبةٍ ذَاتِ عَذَاةٍ سَهْلَهْتُرْوِى الحَجِيج زُغْلَةً فزُغْلَهْأي جرعة فجرعة.
ولم يتيسر لي تحقيق ذلك الآن بأكثر من هذا(60) ديوانه: 426 ، مجاز القرآن: 98 ، الكامل 1 : 324 ، وغيرها ، وسيأتي في التفسير 12 : 94 / 13 : 109 / 19 : 39 (بولاق) ، من قصيدة يهجو الفرزدق ، لم تذكر في نقائضهما ، يقول قبل البيت:دَعِيني، إِنَّ شَيْبى قَدْ نَهَانِيوَتَجْرِيبِى، وَشَيْبِى، وَاكْتِهَالِىرَأَتْ مَرَّ السِّنِينِ .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وَمَنْ يَبْقَى عَلَى غَرَضِ المَنَاياوَأَيَّامٍ تَمُرُّ مَعَ اللَّيّالِي?!والسرار (بكسر السين وفتحها): آخر ليلة من الشهر ، ليلة يستسر القمر ، أي يختفي ، وأراد جرير بالسرار في هذا البيت: نقصان القمر حتى يبلغ آخر ما يكون هلالا ، حتى يخفى في آخر ليلة ، فهذا النقصان هو الذي يأخذ منه ليلة بعد ليلة ، أما "السرار" الذي شرحه أصحاب اللغة ، فهو ليلة اختفاء القمر ، وذلك لا يتفق في معنى هذا البيت.
(61) وينسب للأغلب العجلى ، كما سترى في المراجع ، وقال أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب.
"ليس هذا الرجز للأغلب ، هو لغيره ، من شوارد الرجز".
(62) ديوان العجاج: 80 ، سيبويه 1: 26 ، كتاب المعمرين: 87 ، الأغاني 18: 164 ، والبيان والتبيين 4: 60 ، والخزانة 2: 168 ، العيني (هامش الخزانة) 3: 395 ، وشرح شواهد المغنى: 298 وغيرها.
وقد اختلفت في رواية الرجز اختلاف كثير.
ورواية أبي محمد الأعرابي:أَصْبَحْتُ لا يَحْمِلُ بَعْضِي بَعْضِيمُنَفَّهًا، أَرُوح مِثْلَ النِّقْضِمَرُّ اللَّيالي.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ثُمَّ الْتَحَيْنَ عَنْ عِظامِي نَحْضِىأَقْعِدْنَنِي مِنْ بَعْدِ طُول نَهْضِيالمنفه: الذي عليه الكلال والإعياء.
والنقض: البعير المهزول.
التحى العود من الشجر: قشر عنه لحاءه ، وهو قشره.
والنحض: اللحم.
يقول: تركته الليالي عظامًا ، قد أكلت لحمه.
(63) 5: 77 ، 78.
(64) قوله: "وأشقاه عيشًا ، وأبينه ضلالة.
.
.
" مع عودة الضمير إلى"الناس" ، لأن ضمير المثنى والجمع بعد"أفعل" التفضيل ، يجوز إفراده وتذكيره ، انظر ما سلف من التعليق على الآثار رقم: 5968 ، 6129 ، 7028 ، 7029.
(65) في المطبوعة: "معكومين" ، والصواب من المخطوطة: كعم فم البعير وغيره شد فاه في هياجه لئلا يعض.
ومنه قيل: "كعمه الخوف فهو مكعوم" ، أمسك فاه ، ومنعه من النطق ، وفي حديث على: "فهم بين خائف مقموع ، وساكت مكعوم" ، وفي شعر ذى الرمة يصف صحراء بعيدة الأرجاء ، يخافها سالكها:بَيْنَ الرَّجَا والرَّجَا من جَنْبِ واصِيَةٍيَهْمَاءَ، خَابِطُهَا بالخوف مَكْعُومُ(66) ردى في النار: ألقى فيها.
(67) هكذا جاءت الجملتان في المخطوطة ، ولست على ثقة من صوابهما ، ولا أدري ما يعني بقوله: "دار الجهاد" ، والذي نعرف أن الإسلام جاء فأحله للمجاهدين هو"الغنائم" غنائم الحرب والجهاد.
فأخشى أن يكون في الكلام تحريف.
وقوله: "ووضع لكم به من الرزق" كأنه يعني بقوله: "وضع" بسط ، كما فسروه في حديث التوبة: "إن الله واضع يده لمسيء الليل ليتوب بالنهار ، ولمسيء النهار ليتوب بالليل" ، أي بسط ، كما جاء في الرواية الأخرى: "إن الله باسط يده.
.
.
".
(68) أوبقه: أهلكه ، وقوله: "أوبق" بالبناء للمجهول.
(69) الأثر: 7594-"الحسن بن حي" ، هو: "الحسن بن صالح بن صالح بن حي ، وهو حيان ، الهمداني" قال البخاري: "يقال: حي ، لقب" ، وكان في المطبوعة: "حسن بن يحيى" ، والصواب في المخطوطة ، وهو مترجم في التهذيب.
(70) في المطبوعة: "من علماء اليهود.
.
.
" ، وهو فاسد جدًا ، والصواب في المخطوطة ، ولكنه لم يحسن قراءتها"من عل" غير منقوطة.
والغل (بكسر الغين): الحقد الدفين.
(71) سياق الجملة: كما بين لكم في هذه الآيات.
.
.
من غل اليهود.
.
.
ومن غشهم.
.
.
ومن أمره.
.
.
ومن نهيه.
.
.
ومن الحال التي كنتم عليه.
.
.
" معطوف بعضه على بعض.
(72) في المطبوعة: "يعرفكم" بالياء في أوله ، والصواب ما في المخطوطة ، وهو منصوب الفاء ، نصب على الحال.
(73) عند هذا الموضع ، انتهى الجزء الخامس من مخطوطتنا ، وفي آخره ما نصه: "نَجَز الجزء الخامس من كتاب البيان ، بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه ، أعان الله على ما بعده بمنه وكرمه ، وخفىّ لطفه وسعة رحمته ، إنه وَلِيّ ذلك والقادرُ عليه.
يتلوه في السادس إنْ شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: "وَلْتَكُنْ منكُمْ أمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولئكَ هُمُ المُفْلِحُون".
* * *وكان الفراغُ منه في شهر الله المحرّم غُرّة سنة خمس عشرة وسبعمئة ، أحسن الله تَقَضِّيها وخاتمتها في خيرٍ وعافية ، بمنّه وكرمه ولطفه - على يدِ العبد الفقير إلى رحمة مولاه ، الغنيِّ به عمن سواه: علىّ بن محمد بن عباد (أو: عنان) بن عبد الصمد بن صالح الديدبلى (؟؟) الشافعي ، غفر الله له ولوالديه ، ولصاحب هذا الكتاب ، ولمن قرأ فيه ودعا لهم بالتوبة والمغفرة ورضى الله تعالى والجنة ، ولجميع المسلمين.
وذلك بالقاهرة المحروسة ، بحارة العطوفة.
الحمد لله رب العالمين" ثم يتلوه الجزء السادس ، وأوله:"بسم الله الرحمن الرحيم ربّ أعِنْ"

﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ﴾

قراءة سورة آل عمران

المصدر : تفسير : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا